سورية الآن

سورية وإمكانية الاستفادة من تجارب الشعوب

تعرضت الهوية الوطنية السورية لمختلف أنواع التشتيت والتشويه خلال العقود الخمسة الماضية، وأنتج ذلك تشكل هويات “دون وطنية” أو هويات أهلية لدى السوريين، تعززت  بشكل كبير وخطِر خلال السنوات الست الأخيرة، حيث عمد النظام إلى مواجهة الثورة من خلال شن حرب، لا تعرف قيمًا أو خطوطًا حمراء، مدمرًا بما استطاع إليه سبيلًا المجتمع السوري، أفقيًا وعاموديًا، واضعًا السوريين في مرمى جميع أشكال الموت والتشويه، بما استدعاه من “ظلامات” حروب التاريخ أجمعها، أدت إلى زلزلة أسس وقيم المجتمع السوري، جاعلًا إياه مصيدة دمار لمستقبل سورية؛ ما جعل السوريين أمام تحدٍ كبيرٍ الآن وفي المستقبل، لتحديد السبل والطرق الكفيلة بإعادة الروح إلى مجتمعهم وإنشاء هوية سورية جامعة، ولاسيما في ظل الوضع الحالي الذي يمكن أن نميز فيه التشتت وفق العامل الجغرافي بين ريف ومدينة، والسكاني بين قبلي وحضري، والديني بين مسلم ومسيحي، وتفرعات ذلك عند الطرفين.

لا يستطيع أحد الادعاء بأنه يملك الإجابة الوافية، ولا أحد يحمل عصا موسى؛ ليشق الطريق الآمن لمستقبل سورية، وهنا سنستعرض تجارب بعض الشعوب، التي مرت بمحن وتجارب قاسية جدًا، تعرضت فيها لتدمير وقتل وتهجير، مع الإقرار بخصوصية تجربة كل شعب؛ لنستشف منها أن ترميم المجتمع يعتمد بالدرجة الأولى على المجتمع نفسه، وموروثه وثقافته وعاداته وتقاليده، وترميم هذا المجتمع هو الأساس الذي بُني عليه لإعادة الحياة إلى تلك البلدان.

كمبوديا: تذكّر الألم لا تجاهله

دامت الحرب فيها خمس سنوات، انتصرت فيها قوات (الخمير الحمر) ذات الصبغة الشيوعية/ الماوية على قوات الجنرال لون نول الموالي للولايات المتحدة، وسيطرت على العاصمة بنوم بنه، في 17 نيسان/ أبريل العام 1975، وفُتحت -من ذلك التاريخ- أبواب الجحيم في هذا البلد الواقع جنوب شرقي آسيا في شبه جزيرة الهند الصينية.

أعلن حكام كمبوديا الجدد، بزعامة بول بوت، أو “الأخ رقم 1” بدء “التجربة الثورية” بهدف “بناء مجتمع شيوعي خالص”، يتكون من الفلاحين. مجتمع مكتف وغير مرتبط بأي عوامل خارجية.

اختفت إثر ذلك دولة كمبوديا من الوجود، وظهرت محلها دولة “كمبوتشيا” الديموقراطية، واستكمل بذلك أحد أكثر الأنظمة قمعًا ووحشية في التاريخ الإنساني أركانه، واستهدف الأقليات العرقية، وخلف ما بين 1 و3 مليون قتيل، و142 ألف مقعد و200 ألف يتيم، وأكثر من 600 ألف بناية مدمرة، ضمنها أكثر من 600 مدرسة وألف مستشفى ومركز صحي مُهدّم، وآلاف المعابد والكنائس، ولم يبق من 40 ألف مسلم على قيد الحياة في محافظة كامبونج تشام سوى 4 أشخاص بعد سقوط نظام الخمير الحمر.

عانى الناجون الكمبوديون من مشكلات عاطفية كبيرة، ولم يدركوا ما يجب فعله تجاه هذه المشكلات سوى الصمت مما خلق إضرابات وآلام وعدم قدرة على مواجهة الواقع، إلا بعد سنين طويلة، ففي عام 1990 بدؤوا بحفر المقابر الجماعية وجمعها في مقبرة عامة للجميع لتكون شاهدة أمام أعينهم لذكرى آلامهم وضحاياهم.

بعد ثلاثين عامًا من انتهاء الحرب طلبت الحكومة الكمبودية من الأمم المتحدة إلقاء القبض على المجرمين ولم يتم الاتفاق، فقام الكمبوديون بمحاكمة القتلة.

رواندا: اعتراف المسيئين أو السجن

احتدمت الحرب الرواندية بين الهوتو والتوتسي وهما القبيلتان المشكلتان لروندا، وذلك بين عامي 1990 و1994، مودية بحياة نحو ثمانمئة ألف من المدنيين، وانتهت باتفاقات أروشا لتشكيل حكومة تقاسم السلطة، وظهر التدخل الخارجي في هذه الحرب الأهلية، فبعد توقف بلجيكا بسبب القوانين المحلية البلجيكية التي تمنع القوات البلجيكية من الاشتراك في حرب أهلية، حلت فرنسا مكانها، هذا عدا عن أوغندا، وظهر الإعلام كآلة حربية فعالة، فلعب دور المحرض الذي أعطى صورة عنصرية لقبائل التوتسي على أنهم أثيوبيون يريدون إعادة نظام الإقطاع واستبعاد الأكثرية.

إثر اتفاقية أروشا، قامت حكومة تقاسم السلطة التي احتوت المنتصر مع الخاسر، بعلاج المشكلات الصحية وتقديم الرعاية النفسية، وكان للمشردين والأطفال ومعوقي الحرب واللاجئين الأولوية في تقديم المساعدات الإنسانية، وحظيت الزراعة بدعم كبير لأنها الحامل الرئيس لتأمين الغذاء، وقاموا بافتتاح المدارس والمشافي للجميع وعالجوا مشكلة النفايات، وذلك من خلال اكتشاف ما تبقى صالحًا من أجزاء الاقتصاد والبناء عليها في عملية إعادة تأهيل اقتصاد البلاد، ولتوفير فرص عمل لكثير من الناس، إضافة إلى استقدام شركات عالمية للاستثمار، شريطة أن تقوم تلك الشركات بتوظيف أناس محليين.

المثير للانتباه هو ما اتفق عليه الروانديون من ضرورة اعتراف المسيئين بما اقترفت أيديهم، وإلا فالسجن بانتظارهم، ثم فرضوا عليهم العيش مع أهل ضحاياهم بعد الخروج من السجن، وعند سؤال أقارب الضحايا، أجابوا “لا توجد طريقة للتقدم بالحياة سوى القبول بالألم.

سيراليون: إبعاد المجرمين إلى مكان مخصص

بدأت الحرب في هذا البلد سنة 1991 واستمرت لمدة أحد عشر عامًا، مودية بحياة الآلاف من المدنيين، في السنة الأولى وحدها قُتل خمسون ألفًا، وتدخلت بريطانيا في الحرب الأهلية سنة 2000، هذا عدا عن دعم ليبيرا للجبهة المتحدة منذ اندلاع الحرب الأهلية، ولم تكن هذه الحرب أقل من مثيلاتها السابقات، حيث القتل الجماعي والاغتصاب وبتر الأطراف والتهجير… الخ.

عقب وضع الحرب أوزارها، قام السيراليون بوضع المجرمين في مكان واحد، ولم يسمحوا لهم بترك البلد، وأولوا الشباب بين 15 و35 الأهمية الكبرى، فلهم الأحقية بالعمل والحصول على الوظائف، لأنهم مصدر الاستقرار الأكبر وكذلك هم وقود نار لأي مشكلة قد تعصف بالبلد.

الحروب كلها أفاعٍ في أنيابها السم، وتستلزم التفكير والعمل على تجاوز آثارها المدمرة، لاسيما في سوريا، التي تُعدّ نموذجًا مثاليًا لشرور الحرب التي يشنها نظام على شعبه، مع الإقرار الكلي بمسؤولية النظام الكبرى في جر الثورة إلى هذا المستنقع الآسن والآثم، وعليه فالوقفة مع الذات أمام الألم تستوجب أيضًا استحضار الأمل بالإنسان السوري، المتشرب بمعين حضارة وثقافة معطاءة، ولا يتأتى بذلك إلا من خلال تطبيق العدالة الانتقالية بحق كل من أجرم بهذا الشعب، ومحاسبة مرتكبي الجرائم من النظام وسواه، مرغم الفارق الشاسع بين انتهاكات الأول وانتهاكات سواه، وتفعيل القضاء النزيه والمحاكم العادلة، ثم البدء بالتفكير العميق والعمل الدؤوب لإخراج سوريا من مستنقعها، وإعادة البناء النفسي السليم للمجتمع، لاسيما أهل الضحايا وأقاربهم والأطفال والمعتقلين، مع إعادة إعمار سوريا، والبناء على ما لديها من مقدرات وعوامل تستطيع فيها إنتاج علاقات اقتصادية عادلة، تفرز عقدًا اجتماعيًا معتدلًا، تسمح للاجئين بالعودة الآمنة، أسوة بتجارب العديد من الشعوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق