سورية الآن

بضاعة صينية في قمة الكبار

أنهت مجموعة العشرين قمّتها الحادية عشرة في الصين، وتناقلت وكالات الأنباء الصور والأخبار والقرارات، بل واللقطات الاستثنائية المثيرة للجدل، وأيضًا اللقاءات الثنائية وما رافقها؛ إذ بحث الجميع في قضايا الجميع في منتدى الدول الأغنى على الكرة الأرضية؛ لتبدو هذه الكرة أكثر اتساعًا مما نظن، ولا يوجد عليها ما يخنق الصغار سوى خدعتهم بأنهم خرجوا باحثين في هذه الرحابة عن هواء عليل.

اجتمع الكبار من جديد، والسوريون ما زالوا يستقبلون النيران ويودّعون ضحاياهم، ويتوزّعون في الشتات والمخيمات، بينما الكبار يتوزّعون بين مشارك في الكارثة، أو متفرّج، أو ربما واعد بالبحث عن حلول، أو مستثمر في طاقية الإخفاء؛ ليتنقل ما بين الأصدقاء والأعداء، بحسب ما تُمليه عليه شروط المسرح.

فرضت سورية نفسها على تلك القمة كضيفة شرف، في اللقاءات الثنائية والمؤتمرات الصحافية لعدّة دول، وأخذ بعضهم يتناقل أن حلولًا طُرحت بين الجانبين، الأميركي والروسي، تتضمن بنودًا محددة، وقد خرج بعض منها إلى وكالات الأنباء، كما استقبلت المعارضة السورية رسالة من الجانب الأميركي، يُعلمها فيه عن ذلك، لكن لم تمر سوى ساعات قليلة؛ حتى جاءت الأخبار متناقضة كالعادة، حيث صرّح الرئيس الأميركي عن وجود خلافات خطِرة مع الروس حول سورية، فما تلك الأمور الخطِرة التي تستدعي من زعيم دولة عظمى، أن يُعلن عن وجودها دون أن يسمّيها، وما درجتها على مقياس الهزات الأرضية التي تخلّفها صواريخ الطائرات الروسية، أو درجات الحروق التي تتركها أسطوانات النابالم والفوسفور الأبيض؛ ففي علم السياسة، عندما يُصرّح قائد دولة عُظمى عن خطورة أمر، هذا يعني أن العالم سيقف على ساق واحدة، يترقب كيف سيحل هذا الزعيم لغز الخطورة، ولكن إذا كان أوباما قد ذهب إلى القمة؛ ليودع زملاءه الكبار، وفترته الرئاسية تشارف على الانتهاء، فهل يُفهَم من درجة الخطورة تلك أن مزيدًا من الضحايا في ذمة الكبار، حتى يأتي إلى القمة المقبلة رئيس جديد من البيت الأبيض.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يسير برئاسته على طريقة دول العالم الثالث، بجلوسه الأبدي على العرش، يبدو متفائلًا بقرب التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول سورية، في وقت قريب، في حين أن الإعلام الروسي، كان قد عدّ التصريحات الأميركية حول فشل المفاوضات حالة درامية، فإذا دققنا في ما قاله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حيث طرح موضوع المنطقة العازلة في شمال سورية على بوتين وأوباما، وأيضًا الهدنة التي يسعى لتطبيقها خلال عيد الأضحى المبارك بحلب، هذا الأمر -بالذات- يجعلنا نفهم أن أي حديث عن اتفاق شامل حول سورية، بعيد المنال حاليًا، إلا إذا حدث أمر مفاجئ، فلو كان هناك اتفاق قريب، لما طرح أردوغان المنطقة الآمنة، وعدّها (قد) تستوعب النازحين، وتوقف توافد مهاجرين جدد، وهنا يُشار إلى أن القمّة طرحت -فعلًا- موضوع تقاسم أعباء اللاجئين، وتوزيعهم بشكل عادل، بينما قال دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، في مؤتمر صحافي في الصين: إن “قدرة أوروبا العملية على استضافة موجات جديدة من اللاجئين، علاوة على المهاجرين لأسباب اقتصادية، توشك أن تصل حدها”، وقد حثّ المجتمع الدولي على تحمل مسؤولياته في هذا المجال، في حين أن القمة السابقة عام 2015، التي عُقدت في أنطاليا التركية، كانت جلساتها تُعقد -بالنسبة لسورية- على وقع اتفاق فيينا، وكان الجميع متفائلًا بأن تطبيقه سيتم خلال أيام، أما بالنسبة لمكافحة الإرهاب، فكانت تفجيرات باريس الدامية، هي في خلفية خطاب القمة للتعاون السياسي والأمني، أما موضوع اللاجئين، فكان -أيضًا- في أولويات المباحثات؛ إذ أعلن أردوغان -في نهايتها- أمام الدول المشاركة: “ستبذل المزيد من الجهود لمساعدة هؤلاء اللاجئين، الذين زاد عددهم المجمل على التعداد السكاني للعديد من الدول الأوربية”.

صرّح أردوغان للصحافيين أيضًا، في تلك القمة بأنطاليا، أنه “لا مكان للأسد -الذي قتل شعبه- في مستقبل سورية”، كذلك خلال القمة الحالية في الصين، قال في أثناء مؤتمره الصحافي: إن “عدد القتلى في سورية تجاوز 600 ألف، وإنني أعدّ الدفاع عن فكرة بقاء الأسد القاتل في منصبه مدعاة للخجل”، والسؤال -هنا- من هو الذي يدافع دوليًا عن بقاء الأسد، هل روسيا -لوحدها- من يفعل ذلك في اللقاءات الثنائية، أم معها شركاء من أولئك الكبار.

بعض القادة الأوربيين -بدورهم- أدلوا بدلوهم المعتاد حول سورية، والملفت أن الطروحات لم تتغير، بل بقيت بالطريقة ذاتها التي تدل على أنهم فقدوا زمام المبادرة في حوضهم التاريخي المتوسطي، وأصبحت القارة الأوربية الجارة منفعلة، وليست فاعلة، فاكتفى الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، بالتحذير من “مخاطر تدويل النزاع” السوري، وكرر -أيضًا- ما قاله سابقًا، بأن “هناك مخاطر كبيرة من احتمال حصول كارثة إنسانية في حلب”؛ ليقول بأن إيران وروسيا موجودتان على الأرض، داعيًا بوتين إلى إيجاد الحل السياسي. الغريب في ذلك، أن الرئيس هولاند يُحذر من تدويل النزاع من جانب، ويطالب بوتين بإيجاد حل، أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فقد أوضحت -بدورها- أن لبوتين دور أساسي في الوصول إلى وقف إطلاق النار في هدنة أطول؛ لإدخال المساعدات الإنسانية إلى حلب، موضحةً أن الوضع أصبح مُلحًا، والوقت يضيق، مقارنة مع معاناة الناس.

أما الدولة المضيفة، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فقد تُحسب مع هذه القمة، كانت بالنسبة لها فرصة اقتصادية للتعبير عن طموحها في توسيع دائرة الاستثمار، وقد أطفأت ماكينات معاملها؛ كي تصبح السماء أكثر نقاء مع موعد القمّة، لكن سماء سورية بعيدة، كي تضغط لتشاركها صناعة النقاء.

عربيًا، وباستثناء حضور ولي ولي العهد السعودي، كون بلاده من مجموعة العشرين المقتدرة اقتصاديًا، حضر -أيضًا- عبد الفتاح السيسي، ضيفًا على القمة، أو زعيمًا عسكريًا لأكبر دولة عربية، خارجة من ثورة شعبية، لم يرتدِ الرجل بزّته المعتادة ليضع النياشين، بل اكتفى بأن حضر عن “أم الدنيا” مصر، بصفتها دولة نامية، ومن الواضح أن القمة لهذا الحضور العربي عبارة عن لقاءات بروتوكولية، يُتقنها الصينيون جيدًا، ويحبّها العرب، والأكيد في الموضوع أن قمّة العشرين في الصين، تعني للعرب أن البضاعة الصينية هي الأرخص، والأنسب في أحوال النمو الدائمة، وللسوريين، فإن أغلب تلك البضاعة التي وصلتهم في عهد النظام، قابلة للعطب بأسرع وقت ممكن، فكيف بها إن كانت بضاعة سياسية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق