أدب وفنون

أزمة سورية أم أزمة العالم

لم يعد يطيق الشعب واقعه، وتزداد السلطة إعاقةً لنموه، وإصرارًا على منعه من الخروج من وضعه، وفي الدفاع عن موقعها بقبضةٍ أمنيةٍ قلَّ نظيرها، فتمنع حتى إحساسه بنفسه، وتقاتل الوعي بالواقع مقاتلة الماء للنار.

ولأن الإنسان مفطور على الحرية، ولا بد أن ينهض لأجلها تحت أي وضع، لهذا حدثت الثورة في سورية، على الرغم من عدم وجود التنظيم الكافي لها، فيكفي القمع وأزمة الفكر واغترابه وبؤس التفسير الديني والأيديولوجيات وشعاراتها؛ لتنفجر طاقة الشعب الكامنة.

شكّلت الثورة السورية -إثر ذلك- فتحًا لنقاشٍ عالمي سياسي حقوقي وأخلاقي، أدى إلى وضع العالم أمام حقيقة شعاراته على المحك، ولا سيما أن الثورة جاءت كارتدادٍ لأزماته الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى طفْق الشعب بنهب نظامه وقمعه، خاصةً بعد تحرر الناس من التبعية الإعلامية للنظام؛ ليكتشفوا أنه مرسّخ بعلاقات وتوافقات دولية، لها المصلحة في بقائه، وليكتشف العالم بتعامله مع القضية السورية أنها ليست محصورة في سورية وتعقيد وضعها فحسب، وإنما هي أزمة داخلية للغرب نفسه، وفي المنظومة العالمية ونهج تعاملها مع الإنسان وحقوقه كذلك.

كانت قد تنازعت نظرتان في القرن المنصرم، ما بين العالم الحر الذي ادّعى أنه يعطي الفرد حقه في العيش والبحث عن طموحاته الشخصية بحرية، في حين انتقدت المنظومة الاشتراكية ذلك النهج وعدّته يجعل الفرد تابعًا لمصالحه الأنانية الضيقة، متروكًا بلا هدفٍ سامٍ في الحياة. بينما زينت المنظومة الاشتراكية أفضليتها الأخلاقية بانتماء الفرد لديها إلى المقاصد العليا، مفعمًا بالنضال من أجل مصلحة المجتمع كاملًا. لكن الفرد فيها اكتشف قَسره في تسييره لذلك الهدف وإهمال ذاته، محمولًا على الإعلاء من شأن خدمة المجتمع، التي ما لبثت أن أصبحت خدمةً لفئة حاكمة، تستولي على المجتمع تحت شعارات النضال الكبيرة، إلى أن اختارت شعوبها الحرية مقابل العدالة المزعومة.

لا يعني ذلك أن النظام الأخلاقي في العالم الحر كان متوازنًا، بل إن الغرب قد جَعَل من الإنسان يتبع تحقيق مصالحه الشخصية، وسط تنافس مع الآخرين، مبتعدًا عن ذاته؛ ليقترب مما يتطلبه السوق من بناء ميزات شخصية، وخبرات لا بد له من امتلاكها، والسعي وراء تطويرها، كي يحظى باستمرار بقائه؛ وبذلك استبدل الغرب السلطة المباشرة في الأنظمة الشمولية بسلطة السوق الخفية، التي، وإن تركت للفرد حرية العيش والتعبير، صادرت تحقيقه شخصيته وذاته بشكل مستقل حقيقي.

لم تعد سعادة الإنسان غاية الحياة، بل نجاحه في تحقيق ما يُطلب منه في العمل، وصار المال والسلطة حوافزه، وعزز ذلك المفهوم الإعلام المتحكَّم به من المنظومة الحاكمة نفسها، فعمل على ترسيخ بنيانها، ونشر مفاهيمها عن النجاح والنجومية والاستهلاك، ومع تبعية الجامعات والمفكرين لها، بات من الصعب على الإنسان أن يفعل شيئًا مقابل سلطة خفية عابرة للحدود، تتحكم بمفاصله كافةً، ومع تراجع الفلاسفة عن أخذ دورهم، وتراجع البحث في فلسفة الأخلاق، في عالم يديره السوق، تراجع الكلام والبحث عن معنى الوجود مع عدم امتلاك ذلك البحث قيمة سلعية.

بذلك، اغترب الإنسان عن عمله وواقعه، مع غياب الهدف من الحياة والوجود، وانتشر الاستهلاك، وتسليع الفكر والحب والجمال والمعرفة، وبات الحب الفردي مهربًا للإنسان من عزلته في واقع، لم يعد يقوى فيه على تأكيد حياته وسعادته ونموه بشكل متوازن، عالم يمتد فيه العنف تحت أعينه وبرعاية سلوكياته ونتيجةً لها، وتقتصر ردة فعله عليه برد العنف بالعنف، عالم لا يبحث في الإنسان بل في تطويعه، في قطفه لا في نموه، في أن يكون تابعًا مستهلكًا لا إنتاجيًا، خالٍ من المشاعر والأحاسيس؛ لينعكس إفراغ العالم لذات الإنسان بإحساسه بفراغ العالم من معناه في داخله، لنحصل على الحرب والإرهاب، كتنويعات لرد فعل الإنسان على انحسار نموه الإنتاجي وضياعه.

أخيرًا، وبحسب قول (إريك فروم): “تبقى العوامل التي تُتيح للإنسان التعبير عن نزعته الطبيعية نحو الاستفادة الإنتاجية من قدراته، هي الحرية، والأمن الاقتصادي، وتنظيم المجتمع، الذي يمكن أن يكون فيه العمل التعبير ذا المعنى عن قدرات الإنسان”، فالإنسان هو القصد الوحيد والغاية، وليس وسيلة لأي أحد، أو أي شيء سواه، ولطالما الإنسان هو القصد والغاية، فلن يلتمس الطريق إلى تحقيق غايته تلك (ذاته)، إلا بقلب معادلة العالم جذريًا، خطوةٌ لا بديل عنها؛ ليوقف استهلاك ذاته، بإثبات وجودها، وإنجاز سعادته واتصاله وتضامنه مع إخوته البشر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق