تحقيقات وتقارير سياسية

الهدنة تخنق حلب من جديد

منذ الهجوم الكبير الذي شنّته المعارضة المسلّحة، وأسفر عن فك الحصار عن الأحياء التي تُسيطر عليها المعارضة في المدينة، وكذلك السيطرة على بعض المواقع الاستراتيجية التي كان يسيطر عليها النظام، فُتح الباب أما احتمال تقدّم المعارضة التي أطلقت معركة لتحرير كامل حلب من سيطرة النظام والمليشيات التابعة له، وبدأت الأصوات المطالبة بالهدنة بالارتفاع في نغمتها إلى أن استطاعت تطبيق نوع من الجمود على الجبهات الحلبية؛ ما أعطى النظام فرصة لإعادة تجميع قواته، ودراسة خياراته الجديدة مع حلفائه، ولا سيما روسيا التي أرسلت أخيرًا ما يقرب من 600 من قواتها الخاصة؛ لإعادة السيطرة كليًا على طريق الكاستيلو، وإخضاع حلب من جديد للحصار، وهذا ما حصل في ظل إرسال المعارضة قواتها إلى جرابلس، وخوض معارك هناك ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” و”قوات سورية الديمقراطية” التابعة لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي.

هذا الأمر أشعل ساحات التواصل الاجتماعي، وانتشرت وسوم (هاشتاغ) عديدة، ركزت على ما يجري في حلب، وانتقدت إعادة حصارها من جديد، مُرجعة ذلك إلى ما حدث في جرابلس، وكان منها وسم #ضيّعتم حلب وأنقذتم تركيا.

بانتظار القتل

لم يلتزم النظام السوري وحلفاؤه بأي هدنة أو اتفاق دولي، بل على العكس من ذلك، سعوا دائمًا لتحقيق مكاسب على الأرض، مستغلين عدم إلزام أي جهة دولية لهم بالقرارات ذات الصلة، والضغوط الكبيرة التي تُمارس على المعارضة، ولطالما كانت الهدن فرصًا ذهبية للنظام لإعادة تجميع قواه وتغيير تموضعه، وأكسبته المزيد من الهوامش لإعمال آلة القتل في المدنيين الأبرياء، وتحفل السنوات الخمس الماضية بالعديد من الشواهد، حيث قام النظام بالعديد من الخروقات، مستفيدًا من اتفاقات الهدنة، أو وقف إطلاق النار، وحلب اليوم أوضح دليل على ذلك، وما حدث بريف اللاذقية في آذار/ مارس الماضي، مثالًا، ما يزال حاضرًا أيضًا، حين غدر النظام بقوات المعارضة، بتغطية من الطيران الروسي، وحاول السيطرة على تلة الكبينة في جبل الأكراد، وجبل التفاحية التابع لجبل التركمان، كونهما آخر وأهم المواقع الاستراتيجية في ريف اللاذقية الخاضعين لسيطرة المعارضة المسلحة، وهما مفتاحان لمعركة أخرى في مدينة جسر الشغور وريف حماة، ولقطع الإمداد عن المعارضة في تلك المنطقة. إذن، في ظل هذه الوقائع والتجارب، لا تكون أي دعوة للهدنة سوى انتظار للقتل.

التلاعب بالكلمات

هنا، تجدر الإشارة إلى أن هناك مجالًا واسعًا للمراوغة، تمنحها بعض الكلمات خلال عقد الاتفاقات الدولية، والتي وقعت المعارضة السورية ضحية لها، حيث أنّ لمصطلح (الهدنة) تعريفًا وأحكامًا في القانون الدولي، يختلف كليًا عن (وقف إطلاق النار)، ويختلف عن (التهدئة)، وهذا ما برع النظام وحلفاؤه باستغلاله، بمساعدة مقصودة، أو غير مقصودة، من قبل الجهات الراعية لمثل تلك الاتفاقات، مستغلًا ذلك بطرق سيئة، نافذًا من خلال الثغرات؛ لتحقيق مزيد من المكاسب الحربية.

إن دعوات التهدئة اليوم، والحديث عن قرب الحل السياسي، ليس إلا لعبة سياسية جديدة، لإتاحة الوقت للنظام وحلفائه؛ لتقوية مواقعهم وتعزيز قدراتهم، والصمت عما يحدث في إدلب التي تتعرض لقصف عنيف، أودى بحياة كثير من المدنيين الأبرياء، وأيضًا القصف الذي تتعرض له الغوطة، لا يحمل إلا معنًى واحدًا هو نسف الإنجازات التي تحققها قوات المعارضة المسلحة، التي تحتاج، يومًا بعد يوم، إلى توحيد رؤيتها وتجميع صفوفها والتنسيق مع المعارضة السياسية، وفق ما يخدم مصالح السوريين وثورتهم، وأثبتت الأيام أن الثقة بالدول -مهما كانت صفتها- أمر خطِر؛ فمصالح الدول في تغير دائم، والثابت أن لكل دولة أجندتها التي تريد تحقيقها مهما بلغ الثمن من دماء السوريين؛ وعليه، نحن بحاجة ماسة -يومًا بعد يوم- لاستعادة سوريتنا، وهذا لا يتأتى في ظل تشتت وتشرذم القوى المعارضة، أو الانصياع لرؤى “الدول الحليفة أو الصديقة”، بل من خلال بندقية رشيدة تعرف انتقاء أهدافها في المكان والزمان المناسبين، وسياسة تدرك حجم المصالح السياسية الدولية في سورية، وتستطيع الجلوس -ندًا لند- مع جميع الدول بلا استثناء، مع الأخذ في الحسبان السنوات الست الماضية التي حملت عنوانًا واضحًا، هو أن العالم مستعد أن يحارب حتى آخر قطرة من دماء السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق