هموم ثقافية

“التشبيح” يطال الثقافة في سورية

كلما مضى الصراع بين الشعب السوري، ونظام المافيا الفاشي الطائفي الاستبدادي، تظهر إلى السطح أفكار وطروحات، تكشف ما تستبطنه السلطة من مخزون مقيت وفاسد، ينبري لإعلانه نفر من الذين يعملون في الحقل الثقافي والفني والأدبي، وسواهم. فهم الأكثر قدرة على الإنشاء اللغوي، واللعب على الأفكار، بصياغات يمكن -للوهلة الأولى- أن تتسم بالواقعية وبـ “البراءة”، لكنه، وبقليل من التدقيق، يتكشف البعد الحقيقي، كما الدلالة الواضحة لتلك الأفكار.

 

وتزداد حاجة السلطة لهؤلاء، ولأدوارهم ومساهماتهم، كلما انزلقت إلى حافة الخطر، واحتمال الانهيار. ولأن أي دفاع عن النظام، بالشكل السافر والصريح، ما عاد له رصيد بين الناس؛ ما يجعل هؤلاء مضطرين لتحسين تقنيات الإنشاء لأفكارهم، على أمل أن تمكن النظام من استدراك سرعة الانهيار، ولا سيما أن جل مساعي النظام اليوم، أن يحافظ على قاعدته البشرية، التي أسسها طوال أربعة عقود، وأزيد، اعتمادًا على ترغيب أبناء الطائفة العلوية، بالامتيازات والوظائف والتفوق “المعنوي” على أكثرية الشعب السوري، بطيفه المتعدد والمتنوع، ويصبح ترهيبهم من فقدان هذه الامتيازات، وخسارة “التفوق”، هو التتمة الطبيعية للترغيب بالامتيازات؛ كل ذلك في سبيل استخدامهم حزام أمان لبقائه، ولجعل تضحياتهم من أجله، وكأنها شرط حمايتهم الذاتية من “الآخر”، والذي هو فئات الشعب الواسعة، أي: تماهي الطائفة مع السلطة بشكل لا فكاك منه.

 

ضمن هذه الآلية تموضع عدد كبير، حتى لا أغامر وأقول العدد الأكبر، من المثقفين العلوين، خاصة مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية التي تحولت إلى ثورة، عمَت أرجاء سورية؛ وأول ما عبروا عنه في هذا التموضع، هو إنكارهم بأن ما جرى ثورة من أجل الحرية، ووصفوه بالتمرد الطائفي، ثم السلفي الجهادي “الإرهابي”، وهو بنظرهم يستهدف اجتثاث العلويين، والقضاء عليهم. في غضونه كان الاحتجاج العنيف على مصطلح “العلوية السياسية” الذي أطلقه صادق جلال العظم على بنية السلطة، واتُهم بأنه يخدم “الإرهاب والسلفية “، مع إحالة ذلك إلى السنة بوصف الإرهاب “مشكلة سنية”، كما قال قمر الزمان علوش، على صفحته في الفيسبوك، ولأن الاعتراض على مصطلح العظم، لم يأت في سماء صافية طائفيًا، ولا على أرض خضراء، لا تغرقها الدماء، أدخل المعترضون على العظم تاريخ الثقافة في سورية، إلى الميدان الطائفي، وجعلوا الوجه الوحيد والمتميز بالتقدم والحداثة والإبداع، هو الوجه العلوي؛ العلوي فحسب، فحتى “الأقليات” الأخرى التي يدعي النظام حمايتها، استُبعدت رموزها من القائمة الفكرية الإبداعية، وأحيل الإنتاج الثقافي والفكري في سورية إلى أسماء، كلها من الطائفة التي يحكم النظام باسمها ويتحكم بها ويستند إليها؛ وهو ما عبَر عنه قمر الزمان علوش في واحدة من حلقات مسلسله الذي اختار له عنوان: ” الرواية العلوية”، على صفحة الفيس بوك؛ فطلب من المعارضة “الطائفية”، بحسب وصفه، “العودة الى وثائق سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ ليتذكروا أسماء “الشعراء والكتاب والمفكرين العلويين”، الذين تصدروا المشهد الثقافي السوري، وساهموا في نشر “الثقافة الوطنية التقدمية والفكر التحرري الحداثي”، والذين لم يهادنوا -قط- الحكم الموصوف بالحكم العلوي الدكتاتوري”.

 

لا ينكر أحد من المهتمين بالفكر والثقافة، مساهمة عدد من أبناء الطائفة العلوية، في انتاج أعمال مهمة ومتميزة فنيًا وإبداعيًا، في الشعر والمسرح والدراما والسينما، غير أنهم قاموا بذلك إلى جانب قطاع أوسع وأكثر تنوعًا من المبدعين السوريين، ومنهم مفكرون كبار من المذاهب والأديان والطوائف كلها. وكذلك كان من بين هؤلاء “مثقفون علويون” معارضون جذريون، ولا يزال، بينما قائمة الأسماء التي ذكرها علوش، لا قاسم مشترك بينها في مناهضة النظام؛ فما الذي يجمع نديم محمد إلى بوعلي ياسين، أو أدونيس إلى وديع اسمندر، قبل الثورة، أو كمال خير بيك وعلي كنعان إلى سعد الله ونوس وحيدر حيدر… إلى آخر القائمة التي قدمها لنا قمر الزمان. ليس الفكر الواحد ولا الموقف السياسي الواحد ولا المدرسة الفنية الواحدة كانت الجامع بينهم، الانتماء للطائفة العلوية -وحده- هو المشترك.

 

ويدعي علوش أن ما كتبه المعارضون الذين جاؤوا بعدهم، ليس سوى صدى أو تعقيب على ما كتبه العلويون ذات يوم، ويستثني إضافتهم “الروح الطائفية المقيتة التي تبث سمومها معارضة اليوم”؛ هكذا يقف تاريخ الفكر والإبداع عند ما أنتجه الكتاب العلويون، لا معارضة للنظام (تقدمية وحديثة إلا المعارضة ذات المنشأ العلوي)، وما تبقى، هي معارضة طائفية وسلفية ورجعية وإرهابية، وفي هذا الطرح تنكر ليس للكتاب والمثقفين غير العلويين فحسب، من معارضي النظام، بل تنكر -أيضًا- لدور مثقفي الطائفة ومبدعيها الذين رفعوا راية الحرية منذ اليوم الأول للثورة، واستمروا على هذا الطريق، وكانوا قد بدؤوه قبل الثورة، ودفعوا ثمنًا كبيرًا لصدقيتهم في مواجهة الاستبداد، ورفضهم للطائفية بكل مسمياتها، وأولها طائفية سلطة الاستبداد، كما تنكر لدور مثقفي سورية من مختلف البيئات الدينية والإثنية.

 

سنتابع “الرواية العلوية”، و” التاريخ العلوي”، و” الجرح العلوي”، وفق مصطلحات علوش؛ لنرى كيف سيكمل رصف أفكاره. ومن الإشارات الأولى يمكن لكل قارئ أن يلحظ -بوضوح- عملية تأسيس مكشوفة لما أدعته “العلوية الثقافية”.

 

والسؤال: لمصلحة من المضي على هذا الطريق، خاصة أن ملامح واضحة؛ لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في سورية على أسس طائفية ومناطقية، يجري في سيرورتها تغيير ديموغرافي قسري بالعنف والترحيل والتهجير؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق