أدب وفنون

عن نسبيّة الخوف وإتلاف الذاكرة

ينطوي الخوف في جوهره على ترف، يُعفي بعضنا من مشقة التفكير بمخاوف من أساسها، ويجعل آخرين “أبعد”، أو أقل تقدمًا؛ ليقلقوا حيال مشكلة ما. المؤكد أننا جميعًا -كبشرٍ- موزعون على ثلاثة عوالم أو أكثر، نًبدي هذا الشعور المشترك، بالمحفزات والخطوات نفسها، ونختلف فيما يحفزنا لسلوك هذا المسلك.

 

اليوم، في الشمال المضيء، تتعالى أصواتٌ قلقة، متخوفة من الهاتف الذكي الذي أقحم نفسه في كل تفصيلٍ، تصرخ طالبة أن يتوقف تجميد الزمن بضغطة زر الكاميرا، وأن تعني الذكريات للبشر أكثر من حركة إصبع نحو اليمين أو اليسار لاستحضار صورة، وأن ينظر الإنسان إلى أخيه، إلى عينيه لا عبر وسيطٍ ما، ويبدو أن الموضوع يُحرّك بين الفينة والأخرى؛ ما يدفع آلية الشعور المعقدة إلى العمل.

 

في مناطقٍ أخرى، أقل حظًا، يستجيب الجسد -بكل تعقيده وروعته- لمحفزات أكثر مباشرةً وأسرع، كصاروخٍ، يأكل -بشَرَهٍ- أمتار السماء التي تفصله عن منزلٍ، أو نمرودٍ، عيونه تسرد ماضيه والحاضر الذي ينوي اقترافه.

في بلدانٍ أقل حظًا لا يسلبك الهاتف ذكرياتك وملاعب طفولتك، بل يتكفل الحاضر بذلك، ويمحو قسرًا، بعد سنينٍ من الاضطراب، ما كان يعنيه أن تعيش في طمأنينةٍ بلا خوف، ويضمن اجتياحٌ ما إحالة شارعك ومدرستك وبيتك متاريسَ وثكنات، أو أكوامًا من الركام، ويضرب بعرض الحائط ما كانت هذه البقع الجغرافية تصبغ به ذاكرتك.

 

والأنكى من ذلك كله، أن تجد جزرًا من تاريخك تُباع غنائمَ معاركٍ لا تعنيك بشيءٍ، سوى أنها فُرضت عليك، أن “تُعفَّش” رائحتك المتروكة على أريكة، أو الحب الذي بذلته في فراشٍ، وتباع في ساحةٍ ترابية، وتتشتت بعدها في منازل المضاربين الأسعد حظًا.

 

على عكس مما يجري في الشمال، لم يسلب الهاتف الذكي منا شيئًا، بل بقي منفذًا وحيدًا إلى ما كان وانقضى، إلى حيٍ سوي بالأرض، أو منزلٍ محته قذيفة، أو إلى صورٍ هامدة لمن كانوا يومًا أحياء بيننا، وبقيت ذكراهم مقاسةً بحجم الذاكرة.

 

اليوم، بعد مرور قرابة السنة على غزو صور إيلان للهواتف الذكية، ودفعها الضمير العالمي للقلق، والشعراء للكتابة، والمصممين لتعديل الصورة، ما الذي تغير؟ لا زال جزءٌ من العالم غارقًا في البحث عن أرضٍ صلبة، يقف عليها في قعر هرم الحاجات، والآخر يُحلّق بعيدًا، بحثًا عن حلولٍ لمشكلاته النفسية، فمتى نقلق سويةً، وننعم بالترف نفسه؟

ربما يجب على إنسان الشمال أن يبدأ بالقلق، على ذاك الذي يُصارع الموت أولًا، وعلى أخلاقيته المهزوزة، بوصفه أمثولة الإنسان المعاصر، وثمرة الحضارة الغربية ثانيًا، وأن يبدأ جدّيًا بالنظر إلى ما يحدث فعلًا، وإن أراد ترك شاشته لوهلة، فليكن ذلك لتغيير سيل أخباره الواردة، لإنقاذ نفسه والآخر، لا لسببٍ، سوى أن يتحاشى -مستقبلًا- الصور المزعجة التي تغزو شاشته كل فترةٍ مقبلة من بلاد الموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق