قضايا المجتمع

“لهم ما لنا وعليهم ما علينا” الـ “نا” إذ تستعلي على الـ “هم”

شعار الإسلاميين الأثير -وهم بصدد الحديث عن الأقليات غير المسلمة- “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” هل يكفي لتأسيس مفهوم التعددية الذي تتطلبه المواطنة؟

على الرغم من تقدم خطاب الفكر الإسلامي الوسطي، المتعلق بمفهوم التعددية، وتحقيق هذا الخطاب سبقًا لا يمكن ألا يقع عليه نظر من يفحصه؛ فهذا الخطاب، مستخدمًا أدوات فاعلة، قد تمكّن من تحقيق قدر من التوازن بين ما يسمى في الأدبيات الإسلامية بـ “الثوابت”، وبين متطلبات المواطنة التي لا يمكن الوفاء بها من دون الإقرار بالتنوع، واجتراح صيغة من صيغ التعددية للتعاطي معه.

 

دأب المفكرون الإصلاحيون على تأصيل الاعتراف بالتنوع، والتعددية التي تمثل أحد مستلزمات الاعتراف به في تجربة دولة المدينة المنورة.

وهو تأصيل لا يجانب الصواب؛ لأن دستور تلك الدولة قد اعترف بالقبائل اليهودية كـ “شركاء في الوطن”، واعترف بحقوقهم، كما ألزمهم بواجبات في إطار الدولة، وبمعزل عن العقيدة الدينية.

وعندما يتعرضون لمسائل تشريعية، لا يمكن أن تنسجم مع مفاهيم التعددية والاعتراف بالآخر، كالذمة والجزية، وحكم الردة، يلجؤون إلى مقاصد الشاطبي؛ للانفكاك من أسر التفسير الحرفي للنص، والبحث عن غايته.

 

واشتقاقًا من أولوية المقاصد، يستخدمون ما يسمى في أصول الفقه بـ “تحقيق المناط”، والذي يعني الغوص عميقًا في فهم حيثيات الواقع، من أجل تنزيل الحكم الشرعي عليه، بطريقة تتلاءم مع حيثياته، وتغيير الحكم مع تغير الواقع الذي لا يثبت على حال بطبيعته.

 

كما يرفض بعضهم القاعدة الأصولية المشهورة” العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، والتي تحصر حركة المجتهد ضمن معنى اللفظ الحرفي، وتحرمه من القدرة على رؤية السياق التاريخي، وأسباب النزول المحايثة للنص.

 

وباستخدام هذه الأدوات، لا يقرّون بحكم قتل المرتد، ولا بعقد الذمة، ولا بفرض الجزية، مقدمين حججًا لا سبيل لعرضها في هذا المقام.

وهو جهد كبير، من الظلم عدم تقديره، ولكن المشكلة في تعاطي الفكر الإصلاحي مع مسألة التعددية، فهو محكوم بمفهوم للتعددية، يقصر عن مطاولة الأفق الفسيح للمفهوم المعاصر.

فالمفهوم المعاصر يتطلب عمًى لغويًا وعرقيًا واثنيًا ودينيًا؛ لأن الإجماع المتشابك في النظرية الراولزية-نسبة لراولز- المعاصرة يعني استجابة لواقع التعددية المعقولة، لا بمعنى إقامة توازن بين عقائد شاملة مختلفة، وإنما بمعنى إقامة نظام دستوري يمكن أن يصادق عليه المنتمون إلى العقائد الشمولية المختلفة.

أما مفهوم التعددية الإسلامي، فيقتصر على الاعتراف بها كـ قضاء إلهي:” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

 

وهذه التعددية المعترف بها كـ قضاء إلهي، تُشفع -عادة- بالحضّ على ترقية الأخلاق، التي يمثل نشر الدعوة الإسلامية، وإيصال الرسالة الموحى بها إلى البشر، السبيلين الأمثلين لترقيتها.

فالمجتمعات متنوعة، وهو ما يتطلب تعددية أخلاقية وسياسية، ولكنّ تحويلها إلى العقيدة الحقة، ووضعها على طريق الخلق الإسلامي، واجبان شرعيان من منظور إسلامي.

الاستعلاء الإيماني المستمدّ من الاعتقاد الديني، ليس موضع اعتراض؛ فمن حق المرء أن يعتقد بما يشاء، ولكننا في مناقشتنا مفهوم التعددية المعاصر ومستلزماته، ومفهوم التعددية الإسلامي واستدراكاته، والسقف الذي لا يستطيع تجاوزه، ندرك أن الأخير غير كاف لخلق عقيدة مواطنة لا تكتفي بعبارة الإسلاميين الأثيرة -وهم يشيرون إلى غير المسلمين-” لهم ما لنا وعليهم ما علينا”.

 

لتوضيح الأمر أكثر نقول:

إن المفهوم المعاصر للتعددية يحقق أمرين:

1- شرح سبب الاختلاف الأخلاقي، وأنه يمكن أن يكون شكلًا دائمًا للمجتمعات الحرة، وليس شيئًا يختفي عندما تتحقق شروط مثالية.

2- تقديم تبرير قوي لصيغة سياسية يبنيها العموم.

ويبدو الارتباك في موقف المفكرين الإسلاميين المعاصرين، عند مناقشة حالة تقع خارج سياق الأديان الإبراهيمية، كحالة البهائيين في مصر.

فرفيق حبيب، وهو مفكر قبطي من مؤسسي حزب الوسط الإسلامي، يتبنّى موقفًا محافظًا، أكثر من زملائه المسلمين؛ فيرفض السماح للبهائيين ببناء معابدهم الخاصة، كما يرفض السماح لهم أن يمتلكوا قانون أحوال شخصية خاصًا بهم، ولكنه يقول: إنهم يمكن أن يفعلوا ما يريدون في بيوتهم.

 

ويوافق محمد عمارة على هذا فيقول: إن الاعتراف الرسمي بالبهائيين سيكون ضد النظام العام، ويقول أيضًا:

– “يمكنك أن تفعل ما تشاء في بيتك، أما أن تفعله أمام العموم، فهو سيؤذي مشاعر وعقيدة العموم”.

– “حرية الناس مقيدة باحترام النظام العام”.

يوجد فرق -بحسب عمارة- بين الحرية الفردية، وبين الاعتراف الرسمي بها.

الإخوان المسلمون لا يرغبون في الاعتراف بحقوق البهائيين المدنية؛ فمحمد حبيب، النائب السابق للمرشد العام، يقول: إن اصطدام البهائيين مع النظام العام يصنفهم في خانة المرتدين.

الإخوان المسلمون لا يلزمون أنفسهم إلا باحترام حرية ممارسة شعائر دينية لكلّ الأديان السماوية المعترف بها.

وحتى حزب الوسط، الذي يحرص على الصبغة الليبرالية في نقاشه للقضايا الشائكة، ينضمّ إلى المحافظين في هذه القضية؛ فيرفض رئيس الحزب، أبو العلا ماضي، الاعتراف الرسمي بالبهائيين، ويقول: إن قانون الأحوال الشخصية الخاص بهم؛ يجب أن يقيد بالشريعة.

 

ويوضح أبو العلا ذلك بالقول: إن أعضاء الأديان الأخرى يجب أن ينظّموا شؤونهم الشخصية كأعضاء في إحدى الأديان السماوية الثلاثة؛ فمثلًا إذا أراد شخص الزواج، فعليه أن يتصرف إما كمسلم أو مسيحي أو يهودي.

إن المواطنة تحتاج ما هو أكثر من مفهوم للتعددية كقضاء إلهي، فعلى الرغم من أن التسامح والاحترام والاعتراف عناصر أساسية في المواطنة، ولكنها تحتاج قيمًا أخرى والتزامات أخلاقية أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق