أدب وفنون

رسالة حب

عزيزتي منيرفا: لا أدري كيف حدث ذلك؟ كل الذي أعرفه أنّ مشاعري تفتّحت في ربيع جمالك الذي له القدرة على الولادة والتألق في جميع أرجاء الكرة الأرضية في وقت واحد.

 

هل تذكرين كيف تمّ اللقاء خلال عرض مسرحية (بانتظار غودو)؟ كنتُ أحملُ كُراّسة تعريف بالمسرحية، وكنتِ تحملين مجموعة من الكتب.. أربعة أو خمسة، لا أذكر بالضبط، بدوتِ لي عندها كطالبة جامعية في منتهى الجدية، لدرجة أنني لم أشعر برغبة في المبادرة بالتحدث إليك، على الرغم من جمالك اللاّفت، بدوتِ لي كغابة خلابة، يمنعُ صقيعها الناس من الاقتراب من حدودها، لكن عندما جلستِ بقربي بالصدفة -قُبيل بدء العرض- لتطلبي مني بصوتٍ حريري الاطلاع على كرّاسة التعريف بالمسرحية، شعرتُ بأنّ الصقيعَ بدأ يتحول الى قطرات ندى عند الفجر، فجر شيءٍ لم أعرف ما هو، انزعجتُ من طرقات قلبي التي بدت لي كطرقات قلب مراهق، يتحدث إلى فتاة للمرة الأولى في حياته؛ اسكتْ أيها القلب! لا تفضح انفعالاتي أمام عرش الجمال، اسكتْ أيها القلب.. لن أسمح لجمرات نبضاتك المجنونة وسيول براكينك بالوقوف في طريق محاولاتي للتحدث مع هذه الفاتنة.

 

في تلك الليلة شعرتُ بأنني سأخرج من جُحر وحدتي المليء بحشرات الكآبة وزواحفها السّامة، وعندما بدأتِ بالتحدث عن (بيكيت) وعن تفاصيل مسرحيته العبثية، بحماسةٍ بالغة، شعرتُ بسعادة خفيّة؛ بأنّ خيطًا مضيئًا بدأ يربط بيننا، وعندما بدأتِ بالتحدث عن الأدب، أدركتُ بأن مركبًا كبيرًا جميلًا سيشقُّ طريقه في بحرٍ، لا تغيب عنه شمس ألف ربيع؛ بعد تلك الليلة بدأنا نحضر سويةً مختلف الفاعليات الثقافية، لكنك كنتِ تتأخرين أحيانًا عن الموعد المحدد لمدة تتجاوز الساعة؛ وهو ما يثير حنقي، وكنت تتذرّعين بأعذار من قبيل أعمال المنزل المتراكمة، أو زيارة بعض الضيوف لكم، وكنتُ أسامحكِ دائمًا؛ لأنّ رؤيتك مقبلة من بعيد، كانت تبدو لي كفجرٍ طال انتظاره.

 

ما أكثر ما عانيت أثناء استرسالك في الحديث، كنتُ أجدُ صعوبة كبيرة في التركيز على كلامك، بينما أنا ضائعٌ في أدغال عينيك الخضراوين، مبهورًا بكائناتها الساحرة، وشيئًا فشيئًا أدركتُ أنّ روحينا أصبحتا نغمتين مختلفتين ضمن أغنية واحدة.

 

بعد ستة أشهر وصلنا الى مرحلة الخطوة التالية: الخطوبة والزواج, تملّكني إحساس رائع لم أعهده من قبل، اشتريت باقة أزهارٍ رائعة، وارتديتُ أجمل ثيابي، وتوجّهتُ إلى منزل أهلك، مدفوعًا بطاقةٍ هائلة، لاأزالُ أذكرُ كيف استقبلتني أمكِ ببرودٍ أدخل شيئًا من قشعريرة الشتاء الى روحي، أذكرُ كيف جلس أبوكِ طوال الجلسة، وهو يحتسي الشاي برشفات قصيرة، دون أن يتفوّه بكلمة، وعندما عرفت بأنني موظف حكومي من الدرجة الثالثة، عبستْ عبسًا قطبيًا، لفحني برياحِهِ الثلجية، وقالت بصوتٍ قوي: هل تعتقد أنك ستتمكن من إعالة ابنتي بمرتبك البسيط؟ رفضتني؛ لأنني كنت مُدانًا بجريمة الفقر، مع الأشغال الشاقة من محكمة المجتمع، وبعد حوارٍ قصير كان أشبه بحوار الطرشان، بدأتُ أرتعشُ من هَولِ البرد، عندما أصبحتُ على درجات السّلم سمعتُ صوت شجاركِ معها، بدا صوتك نسمةً ربيعيةً، ابتلعتها وحشية الشتاء في أقلّ من لحظة، الغريب أنّ لقاءاتنا أصبحتْ أكثر حميميةً بعد تلك الزيارة، لكنّ فكرةً بدأت تؤرقني ليل نهار، الهجرة، السفر الى مكانٍ بعيدٍ جدًا، وبدء حياة جديدة، كانت هذه الفكرة تضعني في صراعٍ مرير مع ثقل وطأة حبك، وما كان يزيدُ من حدّة هذا الصراع، هو رفضكِ لفكرة سفري رفضًا قاطعًا، لكنّ الغلبة كانت في النهاية لصالح العقل بعد معارك دامية مع القلب، قبيل صعودي سُلّمَ الطائرة، أرسلتِ لي رسالة نصّية تقول: أينما ذهبتَ… ستكون روحي معك، تحرسك وتحميك من المسيئين، ومنذ ذلك اليوم أصبحت روحي مُترعة بروحك أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بقينا على تواصل عبر “الإيميل” أحدثك عن غربتي وتحدثيني عن غربتك بين أقرب الناس إليك، آلاف الأميال تفصل بيننا، وعلى الرغم من ذلك، كانت رائحة عطرك تملأ أجواء المدينة العملاقة التي أقطن، إلى أن بدأتْ الثورة ضدّ النظام الاستبدادي، اشتعل قلبي بنارٍ من نوع خاص، لم أعرف مثلها من قبل، ثورة ضدّ الظلم ودولة الاستعباد، بحرٌ من الفرح رحتُ أسبحُ فيه جيئةً وذهابًا بمنتهى الحماسة، شاربًا من مياهه الشديدة الحلاوة، ها قد تفتّحت أزهار الحرية أخيرًا في عقول وقلوب الشعب، لكن شيئًا فشيئًا بدأت الثورة ضد الظلم والاستبداد تتحول إلى شيءٍ آخر، أخذ المستبد داخل المواطن العادي يظهر الى السطح، مُكشّرًا عن أنيابه، ودخلت البلاد في أعاصير قوامها الجحيم، اختلطت أشلاء الوطن بأشلاء البشر ورؤوسهم المقطوعة، أخذتُ أراقبُ المشهد غير مصدّقٍ ما يحدث، وعندما توغّلت الأحداث في طريق الفوضى المدمّرة، والجنون غير المسبوق، أدركتُ أنّ عبودية الانسان للأفكار والمفاهيم القاتلة المدمّرة أخطرُ بكثير من عبودية الانسان للإنسان.

آهٍ يا حبيبتي.. منذ أن انقطعت أخباركِ، وأنا أبحثُ عنكِ في كلّ مكان، أسألُ الأصدقاء المشتركين، دون جدوى. في أي جهةٍ قذفت بك يدُ الحرب المجنونة؟ أنظرُ الى سفينة الإنسانية العظيمة، يقودها ذلك الوحشُ الأسود الذي لا يعرف التعب: الظلم، التقدم العلمي في خدمة التخلف الإنساني؛ أبحثُ عنك في كلّ مكان، أبحثُ عن روحي، سأرسلُ لكِ هذه الرسالة للمرة المئة، هل أرسلها عبر البريد العادي، أم عبر البريد الالكتروني؟ أم أضعها في زجاجة وألقي بها في البحر، علّها تصل اليكِ في يومٍ من الأيام؟ لا أعرف كل الذي أعرفه أنني سأواصل كتابة رسائلي اليكِ؛ حتى أعثر على روحي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق