أدب وفنون

المقدسي آخر المهزومين

ربما أصبح لزامًا علينا أن نُسمّي الثورة السورية ثورة المفاجآت، أو ثورة إسقاط آخر أوراق التوت عن عورات، تمسّح بها كُثر حينًا من الدهر.

آخر الأوراق المتساقطة كانت نجمي الجهادية العالمية، وشاغلي قلوب السلفية، على امتداد أكثر من عشرين عامًا، وهما أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي.

 

لا يُنكر مُتابع حجم الرجلين، وتأثيرهما على كثير من الساحات، بدءًا من أفغانستان، مرورًا بالجزائر، وصولًا إلى العراق، وانتهاءً بسورية، التي تخوض فصائلها الكبرى الآن محادثات ماراثونية من أجل الاندماج.

من نافل القول أن الرجلين، مع بدء توافد الجهاديين العابرين للقارات إلى سورية، لعبا دورًا كبيرًا في التنظير والتأصيل للكيانات التي ستنشأ فيما بعد، وهي (جبهة النصرة) و(تنظيم الدولة الإسلامية).

 

توراى أبو قتادة في أغلب المعارك “التويترية” خلف المقدسي، الذي غرّد، فتصدّر، فتدخّل في تفاصيل الساحة السورية، بفتاوى واجتهادات طبّقها مريدوه المنتشرون في عدد من الفصائل حرفيًا، والمفاجأة الآن، أن الرجل لم يعد كاهن العمل السلفي، إذ خرج من تلاميذه من رفض العيش في جلبابه، وتجلى هذا واضحًا في فك الارتباط بين جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، وكان من معارضي هذا القرار الشرسين، غير أنه ابتلع الهزيمة وعاد ليطلّ من نافذة فتوى “التغلب” التي يعني تطبيقها حربًا بين (فتح الشام) وغيرها من الفصائل، لكن تم إهمال فتواه، فأصيب بنكسة ثانية، فحاول العودة من نافذة مصطلح “المتميعة” ويقصد به كل الفصائل باستئناء (فتح الشام) طبعًا.

 

ومصطلح “المتميعة” هذا، أطلقه؛ ليُشْكل ويُشاغب على محادثات الاندماج بين الفصائل، وهو مصطلح يضاف لـ “الجامية” و”المرجئة” و”المازوتيين” و”المفحوصين”، وغير ذلك من مصطلحات وجدت في ليل بهيم من يُفسّرها ويأخذ بها، مثل تنظيم الدولة، قبل أن تتضخم الأنا عند البغدادي ويزاود عليه وعلى فتاويه.

 

هذا لا يعني أن المقدسي فقد امتيازاته داخل (فتح الشام)، فأنصاره، كأبي جليبيب الأردني، وأبي خديجة الشرعي، وأبي همام الشامي، من هرم الجبهة العسكري والتنظيمي، ممن أعلنوا انشقاقهم عن (فتح الشام) لكن لهم أتباع ومؤيدون كثر.

 

كل هذا لم يكن كافيًا؛ ليُفشل المقدسي مشروع الاندماج فغيّر تكتيكه، ليصبح فجأة هو وأنصاره من طلاب الوحدة السريعة، مرفقين هذا بأخبار كاذبة بثوها بكثافة عن عرقلة حركة (أحرار الشام) للتوحد، فالواضح أنه يريد توحّدًا سريعًا، يفشل سريعًا؛ ليرتاح من هذا الكابوس الذي سيُفقده رصيدًا، لم يفقده يومًا إلا في سورية.

 

الأحداث تشير إلى أن المقدسي وتياره على وشك الأفول، وستشهد الأيام المقبلة بزوغ نجم جديد للسلفية الجهادية، بقيادة أحرار الشام، المؤهلة لتصبح “طالبان سورية”، لجهة الابتلاع والتعامل السياسي والتحالفات المؤلمة.

 

هذا البزوغ مُترقبٌ بمعزل عن نجاح مشاورات الاندماج من عدمها، ولن يُشكل منافسًا لهذه الولادة من خاصرة السلفية العالمية، ما هو متوقعٌ من تشكيل فرع جديد لتنظيم القاعدة في سورية والعراق، يستفيد من اندثار (داعش) ومن المنشقين عن (فتح الشام)، فالقطار الشامي قد فات المقدسي ورفيق فتاويه أبا قتادة، لتهدم الثورة السورية صنمًا جديدًا، يُضاف إلى أصنام كثيرة، هدمتها قبله، غير أنه هذه المرة صنم كبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق