مقالات الرأي

المستحيل السوري

لعل إلقاء نظرة متفحصة على الخارطة السورية يقدم لنا نظرة سوداوية للمستقبل، فالبلد بات مقسمًا إلى بلدان، وتتصاعد النيران من مختلف مناطقه، ولا يكاد يمر يوم دون أن نشهد مجزرة جديدة، تضاف إلى سلسلة المجازر المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، و تقابَل تلك المجازر كلها بتجاهل من المجتمع الدولي، لم يرتق -في أحسن حالاته- إلا إلى استنكار لفظي، احتفظ لنفسه بحق التشكيك في هوية مرتكبي تلك المجازر، كل ذلك يقودنا إلى استنتاج بسيط وهو أن الوصول إلى حل قريب، يوقف هذه المأساة، يندرج ضمن ترتيبات المستحيل، كون طاولة المفاوضات التي ضمت المتخاصمين، في أوقات سابقة، لم تسفر عن أي تقدم، ولا حتى عن هدنة حقيقية، بل ربما كانت سببًا -في كثير من الأحيان- في زيادة جرعات القتل الذي ترتكبه قوات النظام، ونسبة ما يفعله إلى تنظيمات إرهابية، تعطيه “الحق” في الاستمرار بمقاومتها وقتالها.

وإذا كان توصيف الحدث السوري برمته، ما زال يتأرجح ما بين حرب أهلية في نظر كثير من الدول، بل في نظر الأمم المتحدة كذلك، وبين ثورة شعبية يحاول السوريون إثبات شرعيتها، من خلال رفضهم كافة أنواع التطرف التي طرأت على ثورتهم، فإن الأمر -في محصلته- يوقعنا دائمًا في إشكالية الوصول إلى حل يلائم الحالة، وفق توصيفها طبعًا، فالثورة الشعبية، أو ما تبقى منها، ما زالت تطالب بإسقاط النظام برموزه كافة، وقد تلقت -في البداية- دعمًا شفويًا منقطع النظير، فلم يتوقف عدد من مسؤولي الدول الغربية عن مطالبة رأس النظام بالرحيل فورًا، إلا أن ذلك لم يعن أن تقدم تلك الدول عونًا، كما حدث من قبلُ في ليبيا، بل إن الإدارة الأميركية -تحديدًا- ذهبت أبعد من ذلك، حين وقفت حجر عثرة في طريق دعم كتائب الثوار بالسلاح اللازم؛ لإنجاز المهمة على أكمل وجه، وتصدت منذ منتصف العام 2012 لأي محاولة بذلتها بعض الدول؛ لترجيح كفة الثورة على كفة النظام، وكانت تبدي خشيتها من أن تصل تلك الأسلحة إلى تنظيمات تكفيرية، فأسفرت تلك الممانعة الأميركية عن خلق تنظيمات تكفيرية جديدة، وإلى اندفاع عدد لا بأس به من الشباب للالتحاق بتلك التنظيمات، التي رأى فيها بعضهم ردًا ملائمًا على تواطؤ العالم وسكوته على الجريمة، التي تُرتكب بحق الشعب السوري.

وقد أحدث ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شرخًا، لا تمكن الاستهانة به، وأفرز نوعًا جديدًا من الصراعات، خاصة أن التنظيم المذكور قد عمل على محاربة الفصائل الثورية، وطردها من مناطق كانت تسيطر عليها، وتسبب ظهوره -أيضًا- في موجات نزوح وتهجير كبيرة من المناطق التي قام باحتلالها، فضاقت نسبيًا مساحة سورية التي يمكن الرهان عليها، مقارنة بسورية المفيدة التي يقبض عليها النظام وحلفاؤه بشدة، ولا يسمحون لأي خلل قد يحدث في جغرافيتها الآمنة نسبيًا، قياسًا على ما تبقى من سورية، سواء تلك الخاضعة لسيطرة تنظيم (داعش)، أم الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، وهذه الأخيرة تمثل مشروعًا مختلَفًا على كينونته وأهدافه، وهي تظل متأرجحة ما بين مشروع دويلة كردية على غرار إقليم كردستان العراق، وقد أقرت باجتهاد شخصي مبدأ الفيدرالية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بوصفه أهون الشرين كما يقال، في مقابل مشروع الانفصال الذي تُتهم بأنها تسعى إليه، وعلى الرغم من زعم بعض قياداتها بأنها تعمل وفق أجندة الثورة السورية، إلا أن أدلة كثيرة برزت على أرض الواقع تنافي تلك المزاعم، وتحولها إلى طرف معادٍ للثورة، كما يرى عديد من المعارضين.

وسط هذه الأجواء العسكرية المضطربة، تقف المعارضة السياسية حائرة، ولا يبدو أنها قادرة فعلًا على أن تخطو خطوة باتجاه التصالح مع الشعب السوري، الذي فقد ثقته فيها، فهي قد شهدت انقسامات وتمزقًا، ينسجم بشكل أو بآخر مع الحالة السورية بأكملها، وقد ذهبت أبعد من ذلك، حين وضعت نفسها في تصرف مشغّلين يوجهونها، على اختلاف أولئك المشغّلين وميولهم؛ فتحولت من معارضة يضمّها كيان واحد، إلى معارضات تسير بعض وجوهها البارزة وفق أهواء شخصية، وقراءة مرتبكة، أقل ما يقال عنها: إنها قراءة خطأ جملة وتفصيلًا، وتبدو مواقفها أقرب -في كثير من الأحيان- إلى مواقف المتفرجين، منها إلى مواقف جسم سياسي رديف للحراك الشعبي، وقد يُعزى السبب إلى ابتعادها فعليًا عن أرض الحدث، ومخاطبتها الثورة من بعيد، فهي تقدم بدروها تشخيصًا هزيلًا إذا ما قيس بالواقع، وهو تشخيص لا يقل في غرابته عن تشخيص النظام الذي يرى سوريا بخير، فيما ترى المعارضة أو جزء منها على الأقل أن الثورة ما زالت بخير، وهذا الكلام ليس صحيحًا على الإطلاق، إذ إن ما تبقى من الثورة يشهد تمزيقًا منظمًا تقوم به جهات عديدة.

تلك التفاصيل التي سبقت والتي تمثل اختصارًا للمشهد، تحيلنا -بالضرورة- إلى عد أن سورية التي كانت قبل أربع سنوات -على أبعد تقدير- باتت وراءنا، وقد يمكننا القول بأسف أنها باتت من الماضي، وأن أمر استعادتها سوف يحتاج عقودًا طويلة من العمل؛ لإسقاط عديد النظم التي تشكلت هنا وهناك، وفك ارتباطها كليًا بالتداخلات الخارجية، لا على طريقة جبهة النصرة، وفك ارتباطها الشكلي بتنظيم القاعدة، ولكن لأجل خلق مشروع سوري، سياسيًا وعسكريًا، قد يكون قادرًا على جعل المستحيل ممكنًا ولو بعد حين.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق