أدب وفنون

سورية تشريح “حرب أهلية”

سنة 1996، شاركت في إقامة علمية في العاصمة الألمانية برلين، تحت عنوان “الإسلام والديمقراطية”. كان الموضوع مطروحًا بعمق -حينذاك- في أوساط العاملين في حقل العلوم السياسية، في ظلّ تنوّع الدعم الرسمي وغير الرسمي، صعودًا وهبوطًا، من الغرب، لأنظمة قمعية عربية وإسلامية بحجة مواجهة خطر “الإسلام السياسي”. حينذاك أيضًا، كانت القضية الأفغانية قضية الساعة بعد بدء انهيار الدولة التي تلت الاحتلال السوفياتي الذي أعلن انسحابه سنة 1989، ونشوء حركة طالبان سنة 1994، قبل أن تستولي على السلطة في أيلول/ سبتمبر من عام 1996؛ وبسبب وجود اللقاء في برلين، فقد حاز معالجة جادة، بعيدًا عن التاريخ الاستعماري الذي يمكن أن يؤثّر في دراسات مشابهة لموضوعات مثيلة في دول غربية أخرى، كفرنسا أو بريطانيا، أضف إلى ذلك، أن المدرسة الاستشراقية الألمانية كانت -وما تزال- تتمتع بجدية بحثية، ورصانة علمية تمنحها نقاطًا إضافية.

في هذا اللقاء، تقاسمت المبيت مع باحثٍ فرنسي شاب كان في طور الانتهاء من أطروحته، التي تميّزت كثيرًا بعد نشرها، وكانت حول حركة طالبان والقضية الأفغانية؛ كان “جيل دورونسورو” مفعمًا بالتفاصيل الأفغانية حتى الثمالة، وكانت له صولات وجولات في الأراضي الأفغانية طوال أشهر عدة، سمحت له بالتعرف عن كثب إلى آليات الصراع والحكم، كما أن بحثه المعمق سمح له -أيضًا- بمسك خيوط كل الملفات القبلية والمذهبية والاثنية التي تعجّ بها تلك البلاد، وبعيدًا عن التبسيطات السمجة التي كانت تكتنف كثيرًا مما كان يُكتب عنها.

استمتعنا بالأحاديث المتبادلة -حينذاك- حول مختلف تجاربه، وكانت مساهماته، في أثناء الإقامة العلمية، غنية التأثير على الجميع؛ لما لها من بعد عملي، بعيد عن التنظير البحت، اكتسبه من زياراته الميدانية ومشاركاته الحياتية مع الفاعلين. وتطرقنا -حينذاك- إلى عمل الراحل “ميشيل سورا” في أبحاثه الميدانية حول سورية، قبل ان يتم اختطافه في لبنان، حيث توفي في الأسر سنة 1986، وخلِصنا إلى أن العمل في المسألة الأفغانية أقل خطورة من العمل في الشأن السوري.

بعد عشرين عامًا من هذا اللقاء، أصدر “دورونسورو”، إلى جانب اثنين من طلابه في الدكتوراه، وهما “آدم باشكو” و”آرتور كيني”، كتابًا مرجعيًا عن المسألة السورية بعنوان: “سورية، تشريح حرب أهلية”. وكما في سابق عمله في المسألة الأفغانية، فقد اختار أن يذهب بطلابه إلى أرض الحدث، وأن يجروا أبحاثًا ميدانية في المناطق التي استطاعوا الوصول إليها خلال العامين: 2013 و2014.

ومع جملة افتتاحية تبرز تواضعًا جليًّا للباحثين، منقولة عن الشاعر الأميركي الحائز على نوبل الآداب سنة 1948، توماس إليوت، يقول فيها “ما هذه إلا محاولة، أما الباقي فهو ليس من شأننا”، يبدو أن “المكتوب واضحٌ من عنوانه” كما يقول المثل الدارج؛ فلا ادعاء بالتمكّن من جلّ الموضوع، ولا سعي إلى السيطرة على الحقل البحثي المدروس، تواضعٌ يؤسف القول بأن جُل الباحثين والعاملين على الملف السوري يفتقدونه، وهم غالبًا ما يبدون، وكأنهم مخترعو الذرة أو صانعو الدولاب.

بعد مجموعة من الصفحات اللازمة أكاديميًا، والتي تحمل معاني الرموز، وتفسيرًا لكتابة الأسماء العربية باللاتينية؛ حتى تكون أدوات القراءة في استطاعة المطّلع، يبدأ الكتاب بعرض منهجه المعتمد أساسًا على البحث الميداني، معترفًا بمحدودية التغطية الجغرافية، بالنسبة لإمكانية الوصول إلى المناطق المختلفة، إذ انحصر الحديث بالمناطق الشمالية خارج سيطرة النظام.

يستعرض الكتاب تاريخ سورية الحديث؛ ليضع بين يدي القارئ مفاتيح مفاهيمية؛ للتعرف إلى طبيعة نظام الحكم، وطبيعة المسار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وحتى العسكري والأمني الذي أفضى بسورية إلى ما هي عليه الآن، كما يُفصّل الكتاب طبيعة الهيئات الثورية السياسية والمدنية، بعد أن طواها النسيان إما للتغطية العسكرية على كل ما هو مدني، أو لسوء تفاعل الهيئات السياسية المختلفة مع إدارة الملف السوري. لا ينسى الكتاب الإشارة إلى موضوعة تفكك الأجسام المعارضة، وتجاذباتها القائمة على عوامل موضوعية وإقليمية، وعلى عوامل ذاتية، نابعة من الشخصنة مفرطة التغوّل لدى بعضهم أو العقد المتراكمة، نتيجة سنوات من ثقافة الخوف ومن الابتعاد عن ممارسة السياسة، إلا بطرائقها الأكثر ترددية وتشككية. يستعرض الكتاب آليات المقاومة المدنية المنظمة وغير المنظمة والتي استطاعت من خلالها المجتمعات المحلية أن تُدير كيفما أمكن عملية البقاء.

متابعة هذا العمل البحثي الجاد تحمل جرعةً من “المتعة”، إن صح التعبير، والتي لا يمكن أن تغطي المرارة الحقيقة لرؤية التدهور، الذي كان شبه متوقع، لمسار الثورة من خلال استعراض مختلف الفترات، معتمدًا على التعمّق في البعد الداخلي، ولكنه آخذًا في الحسبان -أيضًا- تأثير البعد الخارجي إقليميًا ودوليًا. ومن خلال “تشريح” الاقتصاد السياسي للنظام السوري، والاستعمالات “المنحرفة” لمسألة الهويات الوطنية والدينية والاثنية إبان عقود، ومن خلال تبيان مدى جمود العمل المدني الذي تميّزت به المرحلة الأمنوقراطية منذ 1970، يقدّم الكتاب صورة تأسيسية لفهم مرحلة الاحتجاجات السلمية والحَراك المدني، قبل الوصول إلى مرحلة العسكرة.

في قسم بعنوان “ثورة المجهولين”، يستعرض الكتاب النظريات المختلفة، المرتبطة بتعريف الاحتجاجات، ويضعها على المحك أمام الخصوصية السورية، وهو يقف عند تأثير “الربيع العربي” في انطلاقة وتحفيز المشاركة في الحركات الاحتجاجية المؤسِّسة، ويعطي التجربة الرائدة للتنسيقيات واللجان المختلفة، ريفيًا ومدينيًا، حقها من المعالجة، وهي التي أُغفل دورها -عمومًا- بعد طغيان لغة السلاح، وسيطرة التطرف بأشكاله كافة.

في قسم آخر، يقف الكتاب -مليًّا- عند التحوّل من المدني إلى المسلح، عادّه عنوان الانتقال الى “الحرب الأهلية”، ويُشير من دون أي لبس، مع معطيات دقيقة وموثّقة، إلى قاعدة استعملها النظام للتأثير في هذا الاتجاه، وهي قائمة على مثلث: “قسّم، ادفع إلى التطرف، اقمع”، والتي تستند أساسًا إلى رفع جرعات العنف في القمع الآيل الى تقسيم البلاد.

القسم العسكري، والإدارة المدنية، والهيئات القضائية “الثورية/ الشرعية”، كان لها -أيضًا- التحليل المفصل اللازم؛ لفهم عملها، ولفهم طريقة استيعابها -لاحقًا- في عملية إعادة بناء الدولة، ولم يُغفل الكتاب التطرق إلى حراك السوريين في المهجر مدنيًا وإنسانيًا من جهة، وسياسيًا وعسكريًا من جهة أخرى.

التطرف الديني الذي طغى على بعض مفاصل الثورة السورية، كان له قسم موسّع، يستعرض أهم آلياته، ودور العامل الخارجي في تأجيجه. أما المجموعة الإرهابية المتمثلة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقد حازت -أيضًا- جانبًا من التشريح المقتضب، ولكن الجاد، لمعرفة كيفية انغراسها في بيئة خرجت اساسًا للتحرر من طغيان سياسي.

يُختتم الكتاب/ الوثيقة، بقسمٍ مخصص للمجتمع والحرب؛ وبما أن الباحثين الثلاثة، سبق لهم أن نشروا ورقة بحثية مرجعية، منذ أشهر عدة مضت، حول عمل المجالس المحلية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة قوى النظام، فلقد توسّعوا في هذا الموضوع في هذا القسم؛ حيث تم التطرّق من خلاله إلى اقتصاديات الحرب المترافقة مع الخراب القائم في الاقتصاد الوطني، وتم توضيح ارتباط تأثير دور الداعمين الخارجيين، سلبًا وإيجابًا، في مسارات الحرب الجارية.

في ملحقات الكتاب، قائمة تفصيلية بشعارات الثورة السورية، مترجمة إلى الفرنسية، غاب توثيقها عن غالبية العاملين في الشأن السوري، من محليين ودوليين، كما احتوت الملحقات ترتيبًا تاريخيًا للأحداث منذ اليوم الأول، ووثّق الباحثون الثلاثة كل المقابلات التي أجروها في جدول واضح ومرقّم، مع إغفال أسماء من أرادوا ذلك، كما احتوت الملحقات قائمة أساسية بالمراجع العلمية، باللغات كافة؛ للإلمام بالحدث السوري اليوم وفي الأمس.

عمل مهم للقارئ الغربي، ولكنه أساسي -أيضًا- للقارئ العربي؛ لأنه يسمح باستعراض مجمل الجوانب المهملة في الحديث عن الثورة السورية، بعيدًا عن الشعاراتية وعن العواطف الرنانة، سلبًا أو إيجابًا. حمولته الفكرية المستندة إلى البحث الميداني يجب أن تؤسس لفهم أكثر استنادًا إلى موضوعة الثورة السورية بكافة بأبعادها كافة. عملٌ يتميز بمنهجه العلمي الرصين، ووضوح موقف الباحثين الثلاثة من الثورة السورية بتجلياتها، بعيدًا عن نفاق بعضهم، ممن يدعون أن الأكاديمية تفرض على الباحث الحياد. الفرسان الثلاثة هم أفضل تجسيد لمفهوم الباحث العضوي الفاعل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق