تحقيقات وتقارير سياسية

طرطوس سياحة الدم

“برعاية وزارة السياحة، تقيم محافظة طرطوس مهرجان طرطوس السياحي، صيف 2016″، هذا تمامًا هو عنوان الإعلان الرسمي الصادر في سورية، إضافة إلى فيديو قد تم تصويره من الجو للشاطئ السوري، يُظهر المصطافين، وهم يسبحون مع انتشار للمظلات البحرية على الرمال، وكذلك يعطي منظرًا عامًا للشاليهات، محاولًا إعطاء صورة فيها حياة طبيعية للناس، وكأن شيئًا لم يكن، هكذا يسوّق النظام للسياحة من خلال شركات دعاية، وأيضًا من خلال محطاته التلفزيونية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

لا يمكن القول إن النظام منفصل عن الواقع، بكل مسؤوليه الحكوميين وكبار رموزه، وصولًا إلى داعميه، وأولئك المصطافين في مياه طرطوس الدافئة، فالواقع الذي تعيشه سورية نتاج هذا النظام، الذي يُدرك أو لا يُدرك، أن ما يقوم به جرائم حرب وليست أخطاء يمكن معاتبته أخلاقيًا عليها، فقد سبق أن دخل مخرجه نجدت أنزور، الذي صار عضوًا في مجلس “الشعب”، مع عدّة ممثلين سوريين إلى مدينة داريا، ليصوّر بين الدمار دراما، يقدّمها لجمهورٍ منهكٍ على أنها حرب على الإرهاب؛ فدخل بين الدمار للبحث عن الأمل، كما قال، وأيضًا سبق، وبعد تهجير أهالي حمص القديمة من بيوتهم، وبين كل ذلك الدمار المروّع الذي تناقلته وسائل الإعلام من داخل حمص، ذهب وزير السياحة ليفتتح منتجعًا سياحيًا، ويدعو المصطافين عربًا وأجانب وسوريين إليه، وهكذا كان في حلب التي بقيت تحت يد النظام، إذ يحاول النظام تمرير تلك المشاهد الاحتفالية لمهرجانات غنائية وغيرها، لتشير إلى أن البلد ما زالت بخير.

في الساحل السوري الذي من المفترض أنه الخزان البشري لحرب النظام على شعبنا، قد يكون لذلك الإعلان السياحي معنًى آخر، ولم يصدر أي ردّ فعل عليه من حاضنة النظام، المنكوبة -بدورها- بما أدخلها النظام فيه، أو بما هي قد تكون رضيته لنفسها وتحمّلت عواقبه من آلام استقبالها لجنازات أبنائها، وتوزيعهم على المقابر على عجل؛ كي تستقبل غيرهم، بحيث توشّحت شوارع تلك المدينة بالسواد، أو كما قيل بأن طرطوس قد تحولّت، مع ريفها، إلى مجلس عزاء خلال السنوات الماضية، فيأتي التساؤل المشروع هنا، هل هذا النظام الذي لم يقم وزنًا لهيبة سوريا التاريخيّة لا أرضًا ولا شعبًا ولا حضارة، ممكن أن يقيم وزنًا لهيبة الموت، على الأقل لمن استُنزف في سبيل بقائه.

قبل أيّام جرى استعراض للرياضيين الروس في قاعدة حميميم العسكرية، بعنوان دعم لقواتهم، بطريقة احتفالية، وقبله تسرّبت بعض المقاطع لمغنيات روسيات يرفّهن عن الجنود هناك، هذا كلّه ممكن إدراجه في هذا السياق من الاستهتار بجثث ودماء السوريين ونكبتهم، وبجميع القيم الإنسانية، فالروس سبق وفعلوها راقصين ومغنّين على أرض التراث التدمري الذي لا ندري هل نُهب كاملًا، وهل تلك التقارير التي قيل فيها إن الروس شركاء في نهبه ونقله وبيعه أم لا، وإن دخول تنظيم الدولة (داعش) إلى تدمر وخروجه منها، هو إضافة لتدمير سجنها الشهير، ومحو آثار الجريمة التي ارتكبها نظام الأسد من شواهدها المادية، هو أيضًا للتغطية على نهب تلك الآثار، والتي كلّها تصب في مسؤوليات وزير السياحة الذي يدعو لمهرجان طرطوس السياحي. بالقدر نفسه الذي تصب فيه عند وزارة الثقافة.

يصرّ النظام على استمرار عروض السياحة والدراما، والتي تدخل أيضًا في هذا المضمار، والتركيز على تسويقها بصورة دعائية، الغاية منها القول إن بضعة إرهابيين يحاولون تخريب سورية الجميلة، والنظام يحاربهم، لكن في المحصلّة سورية بخير، وفي طرطوس التي نُكبت بعشرات الآلاف من شبابها؛ لأجل بقاء الأسد وزمرته في السلطة، لم يكن الناس البسطاء يعرفون سابقًا، من المواسم السياحية الصيفية على البحر، أكثر من مرور المصطافين؛ فغالبية (الشاليهات) استثمار لمجموعة متنفذي النظام، من ضباط وغيرهم، ولا يقدر الأهالي على تحمّل تكاليف الاستجمام على شواطئهم، ولا تتعدى فائدتهم المادية من المواسم السياحية -إن وجدت- سوى تقديم بضع خدمات على الطرق الرئيسة، وعلى أبواب المنتجعات، وبيع مستلزمات الوافدين خلال أشهر الصيف، بمبالغ بسيطة تُبقي الناس بفقرهم؛ لتأتي هذه الحرب وتحصد شبابهم، فيكون النظام مستهلكًا لحاضنته في السلم وفي الحرب، اقتصاديًا ومعنويًا، والآن جسديًا.

مهرجان وزارة السياحة على شاطئ طرطوس، والذي أراد منه النظام إغاظة أعدائه المفترضين من الشعب الثائر، بأنه ما زال موجودًا، والحياة تسير طبيعية، وهم الخاسرون من خروجهم عن طاعته، هو أيضًا محسوب ضمن مخطط سار عليه النظام، منذ بداية الثورة، وهو تجاهل ما يجري على الأرض إعلاميًا أو تكذيبه، وحتى “انتخاباته” الرئاسية التي جرت، وكذلك مسرحيته البرلمانية، وتبديل حكومات ووزراء ومديرين، كلّها تندرج في هذا السياق، ولكن الأهم في ما يجري من تسويق لسياحة، هي بالأساس وقبل الثورة مهملة، وعوضًا عن تطويرها، وجعل مجمل السكان يستفيدون منها، من خلال تقديم الخدمات العامة بشكل مدروس، كتخطيط متكامل للدولة، تُركت على العكس من ذلك، بيد ما يُطلق عليه اليوم وصف (شبيحة).

يأتي مهرجان السياحة هذا على رصيف طرطوس الساحلي؛ ليوصل الرسالة التي يُفترض أنها الأكثر واقعيّة ومصداقيّة، أن من دعموا هذا النظام سيصحون يومًا على خبرٍ عاجل، مفاده أنهم تُركوا لأحزانهم ولأمواج البحر، وقد غادر النظام، الذي لوّث بحرهم بالدم والفساد، دون أدنى حساب لمشاعر أمّ ثكلى أو أب مكلوم أو طفل تيتّم، في سبيل بقائه، وجعل سياحته ممهورة بالدم لا بالفرح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق