قضايا المجتمع

قانون الأحزاب والجمعيات بين الأمل الكبير والمطالب الصغرى

يشكل قانون الأحزاب والجمعيات في كل مجتمع، اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، وبدونه يبقى المجتمع هلاميًا بدون أي تأثير على صانعي القرار؛ فهو الذي ينظم علاقة الشعب مع هيكلية السلطة، ويكوّن أدوات الشعب لممارسة السلطة أو للرقابة عليها أو توجيهها أو الضغط عليها، وهو الذي يحول المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلى واقع، إما عبر أحزاب مستلمة للسلطة، أو عبر آليات ضغط مجتمعية لتحقيقها.

قانون الأحزاب والجمعيات، هو الذي يحدد شكل المجتمع وشكل السلطة السياسية، وآليات اتخاذ القرار، ويحدد مدى اقتراب أي دولة من ممارسة الديمقراطية، أو ابتعادها عنها وتحولها إلى دولة ديكتاتورية، كما أن طبيعة قانون الأحزاب والجمعيات هي المؤشر حول رغبة المجتمع في التقدم إلى الأمان والانفتاح، أو الانكفاء إلى الخلف والتقوقع والعزلة، فهو ركن أساس في بناء أي مجتمع، إلى جوار قانون الانتخابات، وقانون السلطة القضائية، وقانون الإعلام.

بدأت بهذه المقدمة؛ لبيان الأهمية الكبرى لقانون الأحزاب والجمعيات في المجتمع، والدور الخطير الذي يلعبه في رسم أفق تطور المجتمع وصيرورته.

مع أهمية هذا القانون القصوى، نجد إهمالًا له في دراسات وأبحاث المهتمين برسم شكل سورية الجديدة، واستخفافًا -في بعض الأحيان- بالآثار التي يمكن أن ينتجها القانون الخطأ -لأحزاب وجمعيات- على مجمل تطور سورية المقبل؛ وبالتالي، يكون المرور عليه عَرضيًا أو ترحيل موضوعه عن دائرة النقاش الحالي، وفي رأيي هذا خطأ؛ فالنقاش حول قانون الأحزاب يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من النقاش حول شكل سورية، ككل، لأنه جزء لا يتجزأ من هذا الشكل الذي لا يكتمل أبدًا بدونه.

وأحاول -هنا- أن ألقي ضوءًا على ما يمكن أن يفتح نقاشًا حول هذا القانون.

من المتفق عليه بين “جميع” المشاركين في النقاش حول مستقبل سورية، أنها ستكون مدنية ديمقراطية، وأنّ تشكيل الأحزاب والجمعيات هو حق للجميع، وهذا عنوان عريض لا يكفي لوصف أن هناك توافقًا مسبقًا حوله؛ فالتفاصيل التي يمكن أن تفصّل هذا العنوان، عليها خلاف كبير.

ومن الجهة المخولة بمنح الترخيص؟

ما الإجراءات القانونية لتسجيل الأحزاب والجمعيات؟ وهل تحتاج شروطًا وإجراءات قانونية، أم أنها مباحة، ويكفي مجرد علم وخبر فحسب؟

على أي أساس يمكن أن تتشكل الأحزاب، على أساس ديني أم طائفي أم قومي أم وطني؟ ما دور الأحزاب والجمعيات في الحياة العامة، وما المسموح وما الممنوع؟

وكثير كثير من التساؤلات والتفاصيل التي تؤثر، سلبًا أو إيجابًا، في مجمل قانون الأحزاب وتأثيره على المجتمع وممارسة الديمقراطية.

إن طرح هذه الأسئلة ضروري؛ للتوصل إلى رؤية حقيقية، وليس فقط شعارات عامة.

في رؤيتنا لقانون الأحزاب والجمعيات التي ننشرها للنقاش:

إن إنشاء الأحزاب يجب أن يخضع لشروط مسبقة، بينما تأسيس الجمعيات، فإنه مباح، مع إعلام السلطات، ويخضع لرقابة لاحقة.

وإن الجهة المخولة بمنح الترخيص للأحزاب، يجب أن تكون مستقلة تمامًا، وتخضع قراراتها للمراجعة القضائية فحسب، بينما الترخيص للجمعيات حكمي، إذا لم يعترض أحد على إنشائها أمام القضاء.

وبينما يحق لأي فئة اجتماعية أو دينية أو طائفية أو قومية، تشكيل جمعيات أهلية لتحقيق أهدافها، فإن تشكيل الأحزاب يختلف عن ذلك، فالأحزاب السياسية هدفها عام، وليس مقتصرًا على فئة محددة، وهدفها الوصول إلى السلطة، وتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم كل السوريين، ولا يمكن أن تكون محصورة بفئة واحدة فقط، مهما كانت أغلبية أو أقلية، كما أن السماح بإنشاء الأحزاب السياسية على أساس ديني أو قومي أو طائفي، يدفع المجتمع إلى التشرذم والتفرق على هذا الأساس، ويدفع الفئات الدينية أو القومية أو الطائفية إلى التقوقع والانعزال، وعدّ الآخرين خصومًا، بل يمكن عدّهم أعداء، وهذه العملية تؤسس لانفجار مستقبلي، ولا تؤسس لاستقرار طويل، بل إن منع تشكيل الأحزاب على أساس قومي أو ديني أو طائفي، محاولة لمنع نشوء سيطرة دائمة قائمة على الأغلبية الدينية أو القومية الموجودة، وليس على مبدأ الأغلبية السياسية التي تمثل كل السوريين، فطالما أن الأحزاب هدفها سياسي، فيجب أن تكون بعيدة عن الدين أو القومية، ويمكن للأهداف الدينية أو الطائفية أو القومية أن تجد طريقها للتحقيق عبر الجمعيات والمنظمات الأهلية.

أما دور الأحزاب والجمعيات في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع فإنه متعلق تمامًا بنصوص الدستور أولًا، وبقانون الانتخابات، وبكيفية إيصال صوت الشعب إلى سدة القرار السياسي، كما يتعلق عضويًا بقانون الإعلام والصحافة؛ فلا يمكن لأي مجموعة، إن كانت حزبًا أو جمعية، أن تصل إلى جمهورها بدون قانون إعلام، يسمح بحرية الرأي والتعبير، كما يتعلق بمدى الحماية التي يسبغها القانون على النشاط، ودور القضاء بإسباغ هذه الحماية، وهذا يتعلق بقانون السلطة القضائية، وكل ذلك سنتطرق إليه تباعًا في الدراسات المقبلة، كما يمكن التطرق إلى التساؤلات المختلفة، والنقاط التي يفتحها أي نقاش حول الموضوع .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق