تحقيقات وتقارير سياسية

في السيادة والسيادة الوطنية السورية

من الطبيعي أن يرتبط التدخل العسكري التركي المباشر في شمال سورية، من ضمن ما يرتبط به، بمسألتين رئيستين:

أولاهما، “ضبط” الحدود الشمالية بطول 90 كيلومترًا، عبر دعم “الجيش الحر” في مواجهة القوات الكردية المقاتلة، و”ضرب داعش” في إطار ما يُعرف بـعملية “درع الفرات”، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، بالقول: “إن أنقرة ستواصل عمليتها العسكرية شمالي سورية، إلى حين زوال جميع التهديدات، بما يكفل تحقيق الأمن القومي التركي”.

والثانية، تعزيز الثقل التركي على الساحة السورية، بما يكفل مقعدًا يُحسب حسابه لتركيا في أي تسوية مقبلة للوضع السوري، لحظة الاجتماع حول طاولة التسويات الكبرى في المنطقة، وهو ما لا يبدو قريبًا.

كُتب كثير عن أهداف العملية العسكرية التركية وتداعياتها، واحتمالات إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري. سننطلق -هنا- من حدث التدخل نفسه، في سرد وقراءة تاريخية لعلاقة النظام السوري بمسألة “السيادة الوطنية”، والتي ما انفك الإعلام الرسمي النظامي يتباكى عليها بعد العملية العسكرية التركيةـ قبل نحو أسبوع، بعد أن كاد هذا الإعلام يهرول، مع جيشه الباسل، لحظة التلويح بضربة عسكرية أميركية لم تحدث عام 2013.

الأسَدان، وسؤال المشروعية

تَحوز “الأسدية” كنمط من أبشع أنماط الحكم السلالي في العالم، قيمةً معدومةً في ارتكازها على أي مشروعية داخلية سوى “الخوف”، وهو خوف شكّل -لسنوات طويلة- رافدًا من روافد استمرار حكم حافظ الأسد، ثم توريث السلطة لبشار؛ “هذا لا يعني أن النظام كان بلا شرعية طوال حكم الأسدين”، بل كان اللعب على التناقضات الخارجية في سياسات الدول الكبرى والإقليمية، ذات اليد الطولى في المنطقة، سببًا من أسباب تحول حافظ الأسد إلى لاعب إقليمي، في ظل غياب أي لاعب داخلي سوري، سوى العائلة الحاكمة، وسياسة المخابرات السورية في كمّ الأفواه.

في عام 1976، دخل الجيش السوري ومخابراته إلى لبنان، برعاية دولية وضوء أخضر أميركيّ، وغض نظر إسرائيلي عن الموضوع. قررت الجامعة العربية -بعد التدخل العسكري السوري في لبنان- تشكيل “قوات الردع العربية”، وهي قوات عربية “قوامها الجيش السوري”، على ما جرى في التسويق لقرار الجامعة آنئذٍ، بينما كان الجيش السوري قد استباح لبنان في الواقع، قبل شرعنة دخوله بقرار الجامعة إياه.

الدخول إلى لبنان جعل من الأسدية قوة احتلال لبلد مجاور، وجعل حافظ الأسد حاضرًا في المنطقة، في كل مشاورة أو تسوية محتملة أو مفاوضات معلنة وصفقات تحت الطاولة في لبنان وغيره، وكان الغطاء الذي تلطت به السلطة في دخولها إلى لبنان هو “حماية لبنان وضبط الوضع الداخلي”.

مغزى الموضوع في المثال اللبناني–السوري، وفي ظل غياب مثال لبناني – سوري، يُبنى على قاعدة الاستقلال والديمقراطية معًا، هو دور الخارج في تغطية وشرعنة وجودِ وسياساتِ أنظمةٍ، لا تملك أي شرعية في الداخل، سوى “شرعية” القتل.

وبعد خروج الجيش السوري من لبنان بتلك الطريقة المذلة، غير مأسوف عليه، عادت إلى الواجهة زجليات المقاومة والصمود والمؤامرة على النظام السوري، بإخراجه من لبنان، بالتضافر مع الحراك الداخلي اللبناني عام 2005، وعلى يد دول كانت عرابة دخوله إلى هذا البلد قبل ثلاثين عامًا من الانسحاب. يومها، ذهبت ثلّة من الفنانين السوريين، على رأسهم نقيب الفنانين الحالي زهير رمضان، لاستقبال الجنود السوريين العائدين من “الخاصرة الرخوة”، وبصبحتهم ما تم “تعفيشه” من بيوت وأرزاق اللبنانيين، وهم على متن دبابات، لم تعمل إلا في مواجهة النظام مع الفلسطينيين واللبنانيين في لبنان، ومع السوريين في سورية بعد عام 2011، وبمباركة من الفنانين أنفسهم ونقيبهم بعد اندلاع الثورة.

بعد الثورة، انقلبت الآية وتحولت سورية إلى مسرح لعمليات وتدخل قوى إقليمية ودولية وميليشيات طائفية لبنانية وعراقية؛ للمحافظة على أمتار مربعة قليلة هي مساحة الكرسي الذي يقبع فوقه وارثُ عرش أبيه.

لم تزدهر سرديات الصمود والمواجهة والسيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، كما ازدهرت بعد عام 2011 في صفوف الموالين لسلطة العائلة الحاكمة، وفي صفوف من يدّعون معارضتهم لها، وقدّم “معارضون” سوريون بطولات كلامية، تصب في مصلحة السلطة موضوعيًا وذاتيًا، عبر تسويق فكرة التفاهم مع بقاء النظام ورفض أي تدخل خارجي، ولا يزال بعض هؤلاء “المعارضين السياديين” على الوتيرة الخطابية نفسها تحت سقف الوطن، وعبر مرورهم مرور الكرام بمعابر وحواجز النظام السوري، ينعمون بالسيادة الوطنية على أصولها، وكانت مجزرة الكيماوي في الغوطة مناسبة احتفالية ضمنية لهم بالقتل الأسدي بالسلاح الكيماوي من جهة، واحتفال علني بأن الأميركان لم يسقطوا شريكهم في الوطن حينها، بضربة عسكرية، لم تتمّ لأسباب معروفة.

وعلى المقلب الآخر، لم تقدّم المعارضة السياسية، سواء في “المجلس الوطني”، ثم “الائتلاف” وغيرهما؛ وحتى لدى قوى سياسية فاعلة على الأرض، أي نموذج يحتذى في عدم الارتهان للخارج، وصارت زيارات المعارضة “الائتلافية” و”المجلسية” لعواصم القرار أشبه باستجداء موقف غربي أو روسي من النظام السوري، من المعروف أن نقيضه هو القائم والثابت إلى أجل غير مسمى. إن غياب التوازن في فهم معطيات الصراع السوري عن المعارضة السورية الجذرية، جعلها من الخفة بمكانٍ صارت معه ألعوبة في يد خارج، يلعب لعبة التحالفات والتوازنات، بعيدًا عن معارضة كالتي ادّعت تمثيل السوريين وثورتهم.

في الحال اليوم

سورية اليوم ساحة حرب مفتوحة أمام من هبّ ودبّ، من مقاتلين وافدين، وأمام قوى خارجية لم يَبدُ السوريون أمامها خارج المعادلة سابقًا، كما هم اليوم. ثمة نظرة ساذجة أو “إجرامية في العمق”، تقول برفض أي تدخل خارجي في الشأن السوري؛ نظرة تضفي أحقية حول ممارسات السفاح الذي يقتل بدون جردة حساب في عالم اليوم تُسائِله عما يفعله بشعبه – من دون أن يعني ذلك أي حكم قيمة إيجابي للخارج طبعًا، ولدوله التي يفترض أن تسائل المجرم الداخلي، الأنظمة الارتزاقية التي نمت على شرعية خارجية أساسًا، لن تسقط إلا بفعل خارجي وداخلي معًا. أما أسباب امتناع ذلك التدخل وحسم الصراع ووقف المذبحة المستمرة، فمسألة لا تحركها -طبعًا- الأجوبة السهلة والاستسهالية؛ ربما يجيب عنها عالم اليوم بشكله وموقفه حيال المسألة السورية، وتقرير صحيفة “الغارديان” قبل أيام، حول الدعم والمساعدات “الإنسانية” التي قدمتها “الأمم المتحدة” لشركاء وأقارب بشار الأسد في سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق