هموم ثقافية

الصوت في السينما

ما يجعل السينما قيمة فنية إدهاشية، أنها تتكون من مركب فني متناغم، يبدأ من الفكرة والهدف كمقدمة لكتابة السيناريو والحكاية السينمائية، منتهيًا بلحظة العرض.

التصوير وشروطه الفنية التقنية، التمثيل وشروطه الإبداعية، المونتاج وشروطه الفنية والتقنية، المكساج وشروطه الصوتية الفنية والتقنية؛ هذه -أيضًا- مركبات فنية بذاتها، ولها شروطها الرؤيوية التي تذهب بالهدف إلى مبتغاه.

 

صانع الفيلم يقود جيشًا من المبدعين والفنيين؛ لتحقيق هذه المركّبات المتناغمة إيقاعيًا، نحو صيرورة اكتمال الأبنية الفنية للفيلم؛ فالسينما علم وفن متدحرج، متطور بشكل دائم، مرتبط بتقنيات يومية، يخترعها العقل على الصعيدين: الفني المتخيل والصناعي الواقعي.

تتطور الأدوات التقنية من جهة، وتتطور موضوعات السينما من جهة أخرى؛ فلو استعرضنا تاريخ تطور الكاميرا السينمائية، وما وصلت إليه من قدرات مدهشة، من ألوان وحركة ووضوح؛ لوجدنا تناميها مع المخيال الفني لصانع الفيلم، المبدع والفنان؛ فالمصور وصانع الكاميرا يصبحان أداة مذهلة لهذا المخيال الإبداعي، والعلاقة بين الصانع التقني والمبدع الفني أصبحت سحرية وحميمة.

 

الصوت -أيضًا- في بدايات السينما، لم يكن ممكنًا من الناحية التقنية، فكانت حلول المبدع عظيمة، جعل الممثل صانعًا للتعبيرات المدهشة، التي حلت محل اللغة المحكية؛ فصانع أدوات السينما كان يدرك –بدوره- الحاجة إلى الحوار المحكي؛ لذلك، لم يتوقف عن البحث والتفكير في إمكانية اختراع الصوت، فاخترع طرقًا ووسائل متنوعة ومتقنة؛ ليصبح الصوت ممكنًا ولغة محكية.

 

انتقل المبدع إلى الحوار المحكي صوتيًا، فرافقت ذلك رؤية جديدة، فنيًا وابداعيًا، بطريقة متقنة وضرورية للمركب السينمائي الجديد، ألا وهو الصوت، الصوت -أيضًا- بتفاصيله، كمؤثرات مرافقة خلف الصورة، ومؤثرات تتوافق مع الصورة بتوافق الحركة؛ كالخطوات واغلاق الأبواب وصوت الآليات “السيارة”، وخرير المياه والريح وغيرها، أصبحت الصورة -عندئذ- أكثر معنًى وأكثر تأثيرًا، وأكثر إدهاشًا، وأكثر إقناعًا.

وبات الصوت تكوينًا سينمائيًا صوَريًا، يوحي بصورة ذهنية لا تقل أهمية عن الصورة التشكيلية؛ فالصوت أثرى الخيال ونقل الصورة من صورة ثنائية الأبعاد إلى بعد ثالث، وجعل صناع الأفلام أمام مهمات جديدة في كتابة النص الفيلمي (السيناريو)، وجعل الممثل أقرب إلى المتلقي، بلفظ كلماته المسموعة في الحوارات بمحمولها العاطفي للمعنى الأدائي، وسيرورة الحكاية الفلمية.

 

لدينا إبداعات فنية مدهشة في تاريخ السينما الصامتة، صحيح، كانت الضرورة هي صاحبة هذا الابداع، وهذه الحلول، وكان مبدعها الأول المخرج والممثل العبقري، شارلي شابلن، الذي جعل من عدم إمكانية وجود الصوت “الصمت” إبداعًا مدهشًا وضروريًا، حتى بات -حينئذ- استحالة تخيل سينما شابلن ناطقة، حيث جعل من الصمت الكلامي قيمة فنية ضرورية.

وعندما تم اختراع الصوت -في ثلاثينات القرن العشرين- كان مصرًا على عدم خوض التجربة الصوتية للحوار، وكان يخشى هبوط القيمة الفنية للفيلم؛ فخاض معارك نظرية مريرة، مع المخرج السوفياتي -وقتئذ- سيرغي آيزنشتاين؛ حتى تم إقناع شابلن بتصوير فيلم “الديكتاتور”، وكان فيلمًا عبقريًا بامتياز.

لكن الصوت لم يتوقف على صوت الحوار (الديالوغ)، وإنما هناك مؤثرات صوتية أخرى -غير الموسيقى- أثرت البناء الفيلمي، ودخلت في المركب السينمائي كضرورة فنية، يصبح الفيلم ناقصًا من دونها. أصوات لصورة ظاهرة وأصوات مقترحه للصورة، خارج إطارها التشكيلي، أعطت درامية أعمق وأكثر تأثيرًا في المتلقي، ودخلت في المركب الفني والجمالي والموضوعي للفيلم السينمائي.

 

إن اقتراحات صانع الفيلم، الصوتية، لا تقل خيالًا وابداعًا عن الصورة المرئية، وقد أصبحت جزءًا من مركب السيناريو الفني للفيلم السينمائي؛ حيث ظهر فنانون متخصصون؛ لتحقيق هذه البنية الجديدة للفيلم بأنواع المؤثرات الصوتية كافة، خارج بنية الحوار (الديالوغ) الدرامي السينمائي، وبات من المستحيل الاستغناء عن الصوت كقيمة مركبة؛ حيث من الممكن الاستغناء عن الحوار، لكن من المستحيل الاستغناء عن باقي المركب الصوتي، وتفاصيل المؤثرات الصوتية كافة، وانتقل مفهوم الصمت إلى مفهوم صوتي أيضًا، كخلق صوت رتيب، حيث يعني قيمة الصمت الدرامية فحسب، مثل دقات الساعة أو صوت الريح أو تنقيط صنبور المياه…إلخ، وأُخذ ظهور بعض الأصوات كقيمة صوَرية متخيلة، كأن ترى الصورة، ثم تغيب، وتبقى مؤثراتها الصوتية؛ فتبقى الصورة، وتتغير في مخيلة المشاهد، بناء على التغيّر الصوتي المصاحب لها.

باختصار، انتقل الصوت من مؤثر سمعي إلى تكوين ذهني بصري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق