تحقيقات وتقارير سياسية

مستقبل الإدارة الذاتية الكردية بعد عملية (درع الفرات) التركية

شكَّلت الانتصارات العسكرية الأخيرة لقوات سورية الديمقراطية على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتي استطاعت من خلالها السيطرة على مدينة منبج، تطورًا مهمًا في الشمال السوري، خاصة فيما يخص ربط ما يدعى (كانتوني): عين العرب (كوباني)، وعفرين، ضمن مشروع الإدارة الذاتية الذي يطرحه حزب الاتحاد الديمقراطي، لكن التدخل التركي من خلال عملية (درع الفرات)، والذي استطاع السيطرة على جرابلس، ويتجه -بخطوات متسارعة- للسيطرة على مناطق سيطرة التنظيم في ريف حلب الشمالي، أعاد بعثرة أوراق حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسعى لإقامة مشروع الإدارة الذاتية في منطقة الجزيرة، التي يُطلق عليها اسم (روج آفا)، ويطلق عليها “المجلس الوطني الكردي” اسم (غربي كردستان)، والتي تمتد من منطقة عفرين حتى محافظة الحسكة على الحدود السورية العراقية.

حزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحاه العسكريان: (وحدات حماية الشعب) الكردية، و(قوات سورية الديمقراطية) الذين استفادوا كثيرًا من الدعم الكبير الذي تلقوه من التحالف الدولي، وتقوده الولايات المتحدة الأميركية، بحجة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واتخذوا من التصريحات الأميركية المساندة لهم، خلال الفترة الأخيرة، دليلًا على أن المحادثات التركية – الأميركية تتجه نحو دعم إنشاء “اتحاد كردي”، بعد أن حققوا أهداف واشنطن بأن يكونوا جدارًا في وجه تنظيم الدولة، لكنهم تلقوا صدمة كبيرة بسبب التأييد الأميركي للخطوة التركية، وهو ما عُدّ في رأي كثير من المراقبين نقطة تحوّل في العلاقة الأميركية – التركية التي شابها بعض التوتر، وخاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، والتي قد تكون إحدى نتائجها المباشرة الإطاحة بمساعي الأكراد إلى ربط مناطق عين العرب (كوباني)، وعفرين ضمن مشروع “الإدارة الذاتية”؛ حيث يبدو أن هناك حقبة جديدة من التعاون الأميركي – التركي في سورية، والذي يؤذن بتداعيات مباشرة على التنسيق بين الولايات المتحدة والأكراد.

كلام نائب الرئيس الأميركي، جو بادين، كان واضحًا في هذا الخصوص، خلال زيارته إلى تركيا، ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث دعا “وحدات حماية الشعب” الكردية إلى عدم اجتياز غرب نهر الفرات، والانسحاب إلى شرقه، وهو الأمر الذي تلح عليه أنقرة، خاصة أنها تعدّ سيطرة القوى الكردية على الحدود السورية التركية كاملة، يُشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فهي تدرك تمامًا أن “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” هو امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض -منذ الثمانينيات- حربًا شرسة ضد القوات الحكومية التركية، جنوب شرقي البلاد، وقد استغل حزب العمال وجود قاعدة له في مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي في شمالي سورية ليلتقط أنفاسه، وليجدد عملياته ضد القوات الحكومية التركية في جنوب شرقي البلاد، بعد أن انحصر وجوده العسكري -قبل ذلك- في جبال قنديل على الحدود العراقية الإيرانية التركية المشتركة.

قبل عملية (درع الفرات) نشطت الدبلوماسية التركية بشكل كبير؛ لتأمين الدعم السياسي لهذه الخطوة، واستطاعت حل المشكلة العالقة مع إسرائيل بعد حادثة سفينة مرمرة، وقامت بترميم العلاقة مع موسكو وطهران، وهو ما رأت فيه واشنطن خطرًا يهدد مصالحها في تركيا، والتي طالما عدّتها إحدى أهم ركائز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، حيث يرى سمير صالحة، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة (كوجا علي) التركية، أن سبب تغير الموقف الأميركي هو ما شهدته السياسة الخارجية التركية من تغييرات جذرية، شملت الانفتاح على أطراف كانت أعداء في الماضي القريب، كروسيا وإسرائيل، وقال في هذا الخصوص في تصريح نشرته وسال الإعلام: “إن محاولة واشنطن وضع تركيا وأكراد سورية على مسافة واحدة، أزعج الأتراك؛ لذا تحركوا نحو الانفتاح على أطراف أخرى، وهو ما التقطته واشنطن وتتعامل معه الآن”، في حين بدأ صالح مسلم، زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي، يُدرك أبعاد التطورات الأخيرة عندما صرح بأن تركيا قد تتعاون مع إسرائيل وروسيا وإيران، أو حتى بشار الأسد، لمنع إقامة اتحاد فيدرالي كردي.

بدأت تتضح ملامح مستقبل العلاقة الأميركية – التركية – الكردية، باعتماد واشنطن على القوى الكردية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من خلال ايهامها بالسماح لها بإنشاء منطقة إدارة ذاتية، لكن لن تضحي في الوقت نفسه بحليفها التركي، وهو ما سيعني -بالضرورة- رفع الغطاء عن المشروع الكردي فور انتهاء المهمة، وهو ما يؤكده سمير صالحة بقوله: “إنه لا يمكن المقارنة بين تركيا والأكراد بالنسبة لواشنطن، فالولايات المتحدة لا تريد الأكراد شريكًا، وإنما هم جزء من تنفيذ استراتيجيتها في سورية فحسب، لكن إعلان الأكراد الفيدرالية شمالي سورية كان تجاوزًا لما تم الاتفاق عليه مع الأميركان، وإذا أصروا على حشد قواتهم والتقدم نحو شرق الفرات، فقد تعمد الولايات المتحدة إلى وقف دعمها لهم”.

في السياق نفسه، ينقل السياسي السوري وعضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة، ميشيل كيلو، في مقالة له نُشرت في صحيفة (العربي الجديد)، عن مبعوث الولايات المتحدة الأميركية للملف السوري، مايكل راتني، قوله خلال لقاء رسمي مع الهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة: إن واشنطن “تتعاون عسكريًا مع قوات حماية الشعب الكردية ضد (داعش)، وترفض مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي السياسي، ولا تتعاون معه، وترى أن مصيره يجب أن يُبتّ اليوم أو غدًا في الحوار مع بقية السوريين، وليس بالقوة وسياسات فرض الأمر الواقع. بقول آخر: علاقات واشنطن مع جماعة صالح مسلم (زعيم الحزب) عسكرية وليست سياسية؛ لذلك أميركا ليست مسؤولة عن مشاريعه السياسية التي لا تتمتع بغطاء سياسي أميركي”.

وطالب كيلو أن يتحمل صالح مسلم ثمن سياساته التي تفتقر إلى أدنى حد من الخبرة والدراية، وأدت إلى موت آلاف الأكراد والعرب والتركمان، كما طالب الأكراد بوضع نهاية لعبثه بوجودهم، ولمواصلة إلقائهم في نار حماقاته التي أحرقت آلافًا منهم على حد وصفه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق