هموم ثقافية

حين يصور المحتضر لحظة احتضاره

“ما من وقت ينقضي بين لحظة وعيك الأخيرة، وأول شعاع لفجر حياتك الجديدة. ومثل لمعة البرق سينزاح المكان”.

اللحظة التي تحدث عنها نيتشه، هي لحظة الاحتضار، تلك اللحظة التي ينعدم فيها الزمن، ويهابها عموم البشر، إلا أن مقاتلًا سوريًا يدعى “أبو مسلم الرقاوي” تمكن من مواجهتها بترف الرحالة المتنقل في المكان، وأودعها ذاكرة هاتفه المحمول؛ ليشاهدها الآلاف من بعده.

فعندما شعر “أبو مسلم” أنه ميت لا محالة، إثر إصابته في معارك ريف حلب، بداية شهر آب الجاري، وفي لحظة انعدام الزمن بين الوعي الأخير والانتقال، شغّل الكاميرا الأمامية وتركها تسجل فيديو، بلغت مدته دقيقتين وعشرين ثانية، أرادها رسالة أخيرة لرفاقه، إلا أنها جاءت تفصيلًا من ملحمة إنسانية كبرى.

 

بثّ الفيديو أنين المحتضر، بينما يحاول نطق الشهادتين ووصية للرفاق؛ أنِ اعتنوا بأولادي. مغالبة الوجع أربكت الكاميرا؛ فاهتز توازنها، وراحت تدور بشكل عشوائي؛ فتارة تغوص في رمادية الشعر المشعث، وأخرى تصور اللحية الطويلة الكالحة، وثالثة ترتجف عند السبابة المُشهَرة، والشفتين وهما تنطقان الشهادة، ورابعة ترتدّ قليلًا، فتهرب فيها لقطة سريعة للمحتضر، وهو يتكئ على ركام الحجر، قبل أن يهوي برأسه على السلاح، وتغشى على العدسة خصلة شعر، يعبث بها هواء صيفي جاحد، ثم تمر -فجأة- لقطة “بانورامية” لمسرح المعركة، وأصوات رصاص، وصورة لقدم “أبو مسلم” التي تبدو مبتورة، تطوح ملتفة الى الخلف!! يعتدل أبو مسلم، فيحتل وجهه الكاميرا، يبتسم ملوحًا بيده: وداعًا.

 

تتجلّى في هذا المشهد إحدى أفظع تراجيديات الموت والحياة، التي تنتجها الثورة السورية على مدار الساعة، منذ ما يزيد على خمس سنوات. لكنها قد تكون المرة الأولى، التي يوثّق فيها المحتضر برهة الانتقال من الحياة الى الموت، لكنها ليست المرة الأولى التي تمسرح فيها كاميرات الهاتف المحمول لحظاتٍ، يتفوق فيها الواقع على الخيال، وليست المرة الأولى التي تواصل فيها التقاط دقائق العبث الوجودي، بعد سقوط المصور، فالعدسة عمياء مالم تكن خلفها عين مصور، إلا في سورية؛ الكاميرا تبقى مبصرة بعد انطفاء عين المصور، وفي أكثر من حادثة، امتلكت من الذكاء الرقمي ما يكفي لتسجيل ما يعجز العقل عن تقبله وفهمه، فليس ثمة ما هو أكثر غرابة من أن يقوم المحتضر عند “وقوفه بين يدي الحق” بتشغيل كاميرا الهاتف، مغالبًا سكرة الموت، والألم العظيم، ليكون هو ذاته، الشهيد والشاهد، نكاية بعالم يتجاهل مأساة السوريين.

 

مشهد يتفوق في تراجيديته على أروع الأساطير ومشهديات التراث الإنساني؛ فلا يحضرنا سوى مشهد المسيح في القصة المقدسة، حين آن الاحتضار، وهو متروك على الصليب، وحيدًا أمام “الآب السماوي”، وقد انفض من حوله الجميع، وكابد آلامًا لا تُحتمل، فأطلق صرخة زلزلت الهيكل: “إلهي إلهي لماذا تركتني”.

 

 

صرخة أبرقت وأرعدت من هولها السماء، كانت صرخة عتب واحتجاج، خرجت من عمق اصطدام قوة الإيمان مع قوة انعدام اليقين بالخلاص، قُبيل ارتقاء الروح نحو حياة جديدة.

 

القصة المقدسة منحت للخلاص قيمته العليا؛ إذ جاء بعد موت ناتج عن ألم يفوق احتمال البشر، ومن شأنه تقويض الإيمان، إلا أن مشهد “أبو مسلم الرقاوي”، في لحظاته الأخيرة، تجاوز دلالات ومعاني القصة المقدسة، حين تقبّل الموت، دون أن يعتريه أي شك في خلاص، يناله في الحياة الآخرة (الحياة الجديدة)، فنطق الشهادتين بكثير من التسليم، وظل ذهنه حاضرًا؛ إذ فكر بمصير أولاده الباقين في حياة دنيا، لا يلوح في أفقها خلاص قريب.!!  مشهد يكثف كنه الثورة السورية، حين لا يمتلك الثائرون رفاهية الشك في الخلاص، فيمضون نحو موتهم (حياتهم الجديدة) بيقين ثابت، بخلاص ينالونه في السماء، ولابد أن يحل على الأرض يومًا. وهم يناشدون الله: مالنا غيرك يا الله.

 

هذا الفيديو الصادم في دلالته الإنسانية والثورية، لم يُلفت انتباه الإعلام؛ لا المحلي المعارض ولا العربي ولا الدولي!! مع أنه غير مسبوق في التراجيديا السورية، التي تنتج يوميًا عشرات من مشاهد الموت والقتل والدمار، وتقدمها، كوجبات سريعة “ديلفري”، إلى غرف الأخبار في كبريات وسائل الاعلام العربية والدولية.!! لتلتقط منها ما يلائم هواها وهوى متابعيها في الشرق والغرب، وإن كان ليس من مهمات الإعلام التأمل مطولًا في المآثر الوجودية، التي يسطرها السوريون بدمائهم، بدءًا من قصص ضحايا الحصار والتجويع، وليس انتهاء بقصص الموت اليومي، وانتشال الأحياء من تحت الأنقاض، فإنها -بلا شك- مهمة المبدعين من المثقفين الأدباء والفنانين والمسرحيين؛ فهذه المشهدية الرهيبة في تراجيديا، تتالى فصولها على طول البلاد وعرضها، لم تشهدها أعظم الأعمال الإبداعية العالمية، والمفارقة أن المبدعين، من كتاب وشعراء وفنانين ومسرحيين عرب، ولا سيما الشباب منهم، عندما يفكرون بإنتاج أعمال إبداعية، يلجؤون إلى الناجز من الميثولوجيا والتاريخ والآداب والمسرحيات الغربية، ينهلون منها، اقتباسًا وتحويرًا واسقاطًا،  ويجهدون في توطينها، لتصبح أعمالًا ذات هوية محلية، إلا أنها مهما ارتقت بصيغتها المبدَعة، تبقَ أعمالًا قاصرة وهزيلة أمام ملحمة واقعيةـ بطلها شعب عنيد أراد الحياة والحرية، ومازال يعانده القدر والعالم أجمع.

 

ربما تكون هذه مسؤولية إبداع سوري لما يُنتج بعد، أو مبدعين مازالوا منهمكين في تحديد مواقفهم من الثورة، بناء على ما نتجت وستنتج عنه، ومن المؤسف القول إنه لحد الآن لما تمتلك الأغلبية منهم الأدوات اللازمة لتشريح -وليس تسجيل- تراجيديات الواقع السوري والذات السورية، بما يتلاءم ولحظة انعدام الزمن في تجربتها المروعة، لدى العبور نحو حياة جديدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق