سورية الآن

تصريحات روسية وبيانات أميركية والدم سوري

بين الحين والآخر تعلن روسيا عن وجود تنسيق عسكري بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، وسرعان ما يخرج أحد المسؤولين الأميركيين وينفي ذلك، أو يقلل من حجم تلك التفاهمات، ويتركها عرضة للتكهّنات، ومن ثم تبدأ حدّة التحليلات السياسية تعلوا وتنخفض، بحسب تطور الحالة على الأرض السورية، إن كانت لصالح قوات النظام والميليشيا المساندة لها، أو لصالح قوات المعارضة، وأيضًا يتم البحث عن مفردات تلائم الحدث، وغالبًا ما كنا نرى تحليلات وتصوّرات تسير في اتجاهين، إمّا القول بأن أميركا قد تركت روسيا تتحكم بالوضع السوري كما تشاء، أو أن كل ما يحدث تتربع خلفه الولايات المتحدة، وبيدها وحدها خيوط اللعبة، وأن تدخّل روسيا عبارة عن رغبة منها بتوريط بوتين فيه، كون الروس -أصلًا- بحسب هذا الاتجاه من التحليل، لا يخرجون عن خطوط تضعها أميركا بالملفات الحرجة ومنها الملف السوري.

عندما صدر -أخيرًا- بيان عن مكتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، مايكل راتني، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، ينفي فيه ما تناقلته وسائل الإعلام حول التنسيق الروسي الأميركي في حلب، وعن التخطيط لعمليات مشتركة فيها، أثار مجموعة من الاستفسارات، قد يكون أهمها ما يتعلقّ بدقّة تلك التصاريح والبيانات، وأيّ من الطرفين هو الأصدق، الأميركي أم الروسي.

من المرجّح أن لا يكون البيان موجّهًا إلى المعارضة السورية فحسب، بل إلى أكثر من جهة إقليمية ودوليّة، وبالتأكيد ليس إلى الروس، كونهم يعرفون الأسرار أو التفاهمات التي يتم العمل من خلالها بين البلدين، وخاصة ما تطرق له وزيرا خارجية البلدين، سيرغي لافروف وجون كيري، في أثناء زيارة كيري إلى موسكو، التي تلاها لقاء يُعدّ مهمًا بينهما، في جنيف في 26 آب/ أغسطس، بعد عودة كيري من الرياض؛ فإذا كانت بعض أهداف البيان غمز لتركيا، وتطمين للحلفاء الأوروبيين، نكون أمام استفسار عن المقلب الآخر، حول من تريد روسيا أن يقرأ ما تمرره من تصريحات، هل هي أميركا نفسها، عسى أن يزلّ لسانها فتقول: نعم هنالك تنسيق، أم حليفتها إيران ومدللها الأسد، أم التنظيمات الكردية التي تنتظر بعض الوعود.

لقد بدت روسيا، ومنذ تدخّلها المباشر عسكريًا وتدعيم قواعدها في سورية، وكأنها خارج سياق ما يتم طرحه دوليًا حول التعاون في مكافحة الإرهاب، وواضح أن التصريحات الدولية كافة، وخاصة الأميركية والأوربية منها، تذهب نحو الطلب من الروس الالتزام بالوعود، وبعدم استهداف المدنيين السوريين والفصائل المعارضة، دعمًا للنظام السوري.

تضارب الأقوال حول التنسيق بحلب

في هذا السياق كان من الملاحظ تصريح لديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، بعد لقاء كيري مع بوتين في تموز/ يوليو الماضي، حيث قال: “لم يتم بحث التعاون العسكري المباشر في الحرب على الإرهاب، وأن تبادل المعلومات في هذا الموضوع يتواصل، لكننا لم نقترب، مع الأسف، من تعاون حقيقي في سورية”؛ ما يعني أن الروس ما زالوا حتى زيارة كيري خارج التنسيق، بناء على المتحدث باسم الكرملين، ثم جاء تصريح ميشيل بالدانتسا، المتحدث باسم البنتاغون، بداية آب/ أغسطس، لوكالة (انترفاكس)، جاء فيه “نحن لا ننسق مع الروس، ولا نتعاون، ولا نتبادل المعلومات الاستخباراتية، كما أنه لا توجد اتفاقية لفعل ذلك، وأن العسكريين الأمريكيين والروس يتقابلون بشكل منتظم في إطار مذكرة تفاهم حول ضمان أمن الطلعات الجوية فوق سورية”، موضحًا أن وزارة الدفاع تقوم بخطوات، لضمان أمن القوات الأميركية والتحالف؛ كي لا تحصل كارثة فحسب.

وبالعودة إلى البيان الأخير الصادر عن راتني، في 29 آب/ أغسطس، الذي ذكر أنه “لا صحة لما ورد في تقرير وكالة (انترفاكس)، عن اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا؛ لاستهداف المقاتلين في حلب، ولا يوجد معنى للحديث عن التعاون، دون أن تفي روسيا بالتزاماتها في سورية”، يضعنا أمام تصريح لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو نفسه، حين قال منذ أيام: إن عمليّة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة سيتم إطلاقها قريبًا في مدينة حلب، لكن البيان الأميركي الأخير لم يكن ردًا على وزير الدفاع، بل على تقرير وكالة (انترفاكس) نفسها التي أوردت أيضًا تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية حول نفيه التنسيق مع روسيا، فأين هي الحقيقة في تلك الأنباء.

الدعم الأميركي والحصاد المر

من الواضح أن متابعة تصريحات الجانبين بالنسبة للسوريين، ومقارنتها مع بعضها أصبحت تدخل في مجال الفكاهة، أكثر منه في مجال أخذ المعلومة من الكبار للبناء عليها، فالمتعارف عليه أن الكبار يحسبون كلماتهم بالحرف، لكن المفارقة أن النظام الروسي ما زال يوغل أكثر وأكثر في الدم السوري، بينما أميركا ما زالت تبدو كمتفرج لا كفاعل، على الرغم من أن البيانات الأميركية لا تنسى التذكير دائمًا بأنها تدعم المعارضة السورية، وتعمل بشكل جاد لمساعدتها، لكن الحصاد السوري لطالما كان مرًا من هذا الادّعاء.

لا شك في أن جانبًا كبيرًا من الحروب يعتمد على الحالة الدعائية بين الأطراف، وأنّ بث أي نوع من الأخبار غير السليمة في وقت ما، له غاية محددة، يعرفها من يقف خلف الخبر؛ ليستثمر في ردّة الفعل على الخبر. أما المراقب، فقد يجد أن أدوات النظام الروسي لا تختلف كثيرًا عن أدوات شريكه النظام السوري، من حيث التركيبة الأمنية، والذهنيّة الديكتاتورية، فمسؤولوه ومحللوه السياسيون وكادره الإعلامي، هم أقرب إلى نظائرهم الأسديين، بل عند الإصغاء إلى مفرداتهم المستعملة نجدهم نسختين كربونيتين لأصل واحد، ذلك بوصفهم تخرّجوا من مدرسة عقائديّة واحدة.

لكن من جانب آخر، لا روسيا ولا الولايات المتحدة تجهل أن السوريين يدركون أن قوّة الثورة هي التي استدعت هذا الحجم من العداء متعدد الألوان، وأن تصريحات الجانبين وبياناتهم، والتي ذهبت عدواها إلى مسؤولي الأمم المتحدة، وغيرهم من المسؤولين الدوليين، قد أصبحت أقل من خبر عادي يمر بين زحمة الطائرات التي تجوب سماء سورية، وهي -للأسف- تأتي بلا أدنى مسؤولية قانونية أو أخلاقية، ومن المفترض أن تكون دول كبرى وعظمى، كروسيا وأميركا، على درجة عالية من تلك المسؤولية، لكن الوقائع أثبتت النقيض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق