مقالات الرأي

النظام السوري والسيادة الوطنية

أفلس النظام السوري كليًا، في الداخل والخارج، وبات مكشوفًا عاريًا أمام الحقيقة، فبعد استقدامه الروس والإيرانيين والميليشيات الطائفية التابعة لهم من حزب الله وأشباهه، انكشفت مخابئه، خاصة فيما كان يُطلِق عليه قسرًا صفة “السيادة الوطنية”، وبان خواؤه من كل الشعارات البراقة الفارغة المشابهة.

 

الـ “سيادة الوطنية” والأمن المُدّعى في سورية، لم يحم المواطن، ولا الوطن، بل حمى النظام وحده، سلطانه وسلطاته، أجهزته وزبانيته، واستُخدم للقتل والتدمير فحسب، لقتل الإنسان السوري، وتدمير الوطن، بناه التحتية ومعانيه، ولم يعد لهذا الوطن “سيادة”، ولا “استقلال” ولا حتى “قرار وطني”، فكل من أحضره النظام استباح الوطن، وداس على هذه المفاهيم بأحذيته.

 

لطالما قدّم النظام السوري للخارج ما تطلبه، من تنسيق أمني وتجارة استخباراتية، وبيع معلومات، معروفة هي العلاقة بين الاستخبارات السورية والأميركية فيما كان يُسمى “ملف الإرهاب” في الثمانينيات من القرن الفائت؛ حيث قُدم للمخابرات الأميركية ملفات ما يزيد عن 40 ألفًا من أعضاء ومحازبي جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، وهو ما اعتُبر تنسيقًا ضد الإرهاب في حينه. كذلك معروفة هي العلاقة بين أجهزة الأمن السورية والأجهزة المثيلة في الكيان الصهيوني، في هذا المجال، وفي مجالات أخرى.

 

اعتمد النظام الأمني على منظومة أمنية قوية حجمًا، عنيفة استبدادية، لم تكن وظيفتها حماية الوطن قط، وأكثر منها النظام ليُعمّق حكمه وتسلّطه، وليزيد في قهر الناس، وتعذيبهم وتدمير حياتهم، وليضمن استمرار هيمنته وتسلّطه على مقدرات البشر، ولتحجب رؤية المحكوم عن كوارث وجرائم الحاكم، وفعلت فعلها في حماية السلطات ونهب الموارد، وهي الآن تُمارس أبشع أنواع القهر والنهب والتدمير والقتل، وبان بوضوح أن جُل عملها الذي تأسست من أجله هو سحق المواطنين، وتكميم أفواههم، وكبت أنفاسهم، وصولًا إلى ما تقوم به اليوم من جرائم، لم يعد بالمقدور توصيفها، لفداحتها وبشاعتها، ضد حق البشر والحياة والإنسانية.

 

لم يكتف النظام بهذا “الأمن الداخلي”، بل أحضر من الخارج قوى ودولًا وميليشيات، روسية وفارسية، فجاء بصديقه بوتين ليحميه من السقوط، لا ليحرر الشعب السوري، ولا ليضمن أمن البلد أو يحمي الدولة، وجاء الروسي لهدف آخر، يتحرك وفقًا لأجندة بحسب استراتيجياته الدائمة في المنطقة، وتتركز مساراتها حول مصالحه ومصالح شريكته (الولايات المتحدة)، ومصالح إسرائيل من خلفهما، فبقاء هذا النظام يخدم هذه المصالح، وليس غيرها، فمصلحة إسرائيل اليوم ليست في إسقاط النظام، بل في تدمير سورية، تدمير الوطن والإنسان والاقتصاد والجيش، هذا الجيش الذي من المفترض أن الشعب السوري قد بناه بدمه وعرقه وروحه، من أجل المعركة الكبرى، ولحماية حدوده من الأعداء، ومن أجل تحرير الجولان المحتل، وإعادة فلسطين المغتصبة إلى حضن أمتها، وما جرى لهذا الجيش أفرح قلب إسرائيل، لأنه بات غارقًا في دماره، وانفلاته من كل عقال، وغارق في انهياره وسقوطه، وفي تدمير المدن فوق رؤوس أهليها، كما هو غارق في إراقة دم الشعب السوري، شعبه الذي حماه واحتضنه، مُعتقدًا أنه “جيشه الوطني” و”حامي الحمى” والمدافع عن الأرض والعرض، ليكتشف أنه مُدمّر المصانع، وخارب التاريخ والتراث، وناهب المواطن والوطن، وناشر الهلاك والموت.

 

ليس استجلاب النظام السوري لإيران وروسيا بأقل سوءًا من استجلابه للأميركيين، فقد اعتاد أن يُطأطئ رأسه للجميع، ويطلب العون من أيّ كان، دولة أجنبية أو غير أجنبية، فالمهم بالنسبة له الحفاظ على الكرسي والسلطة والمنصب، دون أي اكتراث بالسيادة، ولا بالاحتلال الأجنبي، ولا باستباحة هذا الاحتلال لكل شيء، فاقدًا أي حس وشعور وطني.

 

وعليه، فإن كل ما يقوم به النظام السوري في هذا المضمار، من قتل للشعب، وهمجية نازية وفاشية، لا مثيل لها، ونهب واسع النطاق، واستهتار بالقوانين الدولية والقيم الأخلاقية والشرائع السماوية، يُشكل ابتعادًا واضحًا عن السيادة ونقيضًا لمفهومها الذي (أطنب) آذان السوريين بها صباح مساء، والتي تشدّق بها كل الوقت، وهو لا يملك منها شيئًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق