مقالات الرأي

الاقتتال في الشمال لمصلحة من

الصراع، أو الاقتتال، الجاري بين فصائل من “الجيش الحر” و”قوات سورية الديمقراطية”، التي تُشكّل “قوات حماية الشعب”، التابعة لحزب الاتحاد الوطني (الكردي السوري)، عمادها، لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقّعًا بالنظر إلى الخلافات المعلنة بين الجانبين، من حول مستقبل سورية، وبحكم الشبهات التي يطرحها كل طرف إزاء أجندة الطرف الأخر، وخاصة بسبب انعدام إطارات وثقافات الحوار بين أطراف الصراع السوري، والميل لانتهاج القوة لحسم الخلافات وتحديد التوازنات حتى بين أطراف المعارضة.

 

بديهي أننا نتحدث هنا عن طرفين، يفترض أن ثمة نوع من التوافق بينهما على التخلص من نظام الاستبداد، وقيام نظام ديمقراطي في دولة مواطنين، في سورية موحدة، لكل السوريين بمكوناتهم الدينية والمذهبية والإثنية كافة. بيد أن هذه الفرضية ذهبت أدراج الرياح، أو يبدو أنها لم تعد تشتغل بسبب بروز قوة مهيمنة عند كل من الطرفين المذكورين، تريد أخذ البلد إلى أجندتها الخاصة، هذا ينطبق على الفصائل العسكرية المعارضة ذات الخلفية الدينية، كما على حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي (الكردي)، بمعنى أن كل واحد من هذين الطرفين لعب دوره في تفاقم الخلاف وانعدام الثقة، وتاليًا تبديد طاقته في الصراع ضد الطرف الأخر، بدلًا من توجيهها ضد النظام وضد “داعش”، مثلًا.

 

ما يفاقم من مخاطر ذلك أن الأمر لم يعد يتوقّف على إرادات الطرفين، ففي حقيقة الأمر، فإن التقاتل الحاصل، على هذه البلدة أو هذه القرية، لا يدور لحسابات استراتيجية ولا حتى لحسابات الطرفين الذاتية، وإنما لحسابات أخرى، إقليمية، بل ربما أن هذه الحسابات باتت هي الطاغية، بدليل أن هذا التصارع لم يحصل من قبل، على هذا النحو، وبدليل أن كل من الطرفين ليس لديه فائض قوة يصرفها كيفما اتفق، وهو أمر معروف، أي أنه من دون دعم خارجي يصعب تصور خوض هذه المعركة أو تلك.

 

على أي حال، ففي صراعات معقّدة ومتداخلة من هذا النوع يصعب تحديد نقطة البداية، أو تحديد الطرف الذي يتحمّل مسؤولية أكثر من الطرف الآخر، لكن ما هو واضح هنا أن الطرفين يتحملان المسؤولية، وأنه في حرب الضحايا ضد الضحايا لا يوجد رابحون ولا منتصرون، أي ثمة خاسرون، بمعنى أن الرابح هنا هو النظام وحده.

مشكلة حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي (الكردي)، وهذا مالا ينبغي تحميل مسؤوليته للأكراد عامة، مع ملاحظتنا تفرّده في إدارة المناطق التي تخضع له، دونًا عن القوى الكردية الأخرى التي تختلف معه، أنه بالغ في طموحاته، وبات يعتقد أن حلمه “القومي” بات قاب قوسين أو أدنى، وأن هذه هي اللحظة التاريخية الملائمة التي ينبغي اقتناصها، كذلك نجد أن هذا الحزب قد ميّز نفسه، في غضون الصراع السوري، عن ثورة السوريين، ليس بالنأي عن الجماعات الإسلامية المعارضة (العسكرية)، ومعاداتها لكونها كذلك فحسب، وإنما بالإبقاء -أيضًا- على صلاته أو تعايشه مع النظام في المناطق التي يسيطر عليها؛ ما أثار الشبهات المشروعة من حول مواقفه ودوره؛ وفوق هذين، فإن هذا الحزب في غمرة حماسه لحلمه “القومي” (مع عدم الاعتراض على مشروعية أي حلم)، وتبعًا لارتباطه بحزب العمال الكردستاني (التركي)، خلط بين أجندته السورية وأجندة الأكراد في تركيا، بحيث أنه ذهب بعيدًا في مخاصمة الدولة التركية، وهذا لصالح أجندة لا تخص سورية أو الثورة السورية.

 

طبعًا ليس القصد هنا نزع الشرعية عن “حق الشعب الكردي في تقرير المصير”، أو التقليل من حلمه بإقامة وطن ودولة، لكن ثمة أسئلة في هذا الصدد ستظل مشروعة ومشرعة؛ فمثلًا، هل أن هذا الحلم يقتصر على سورية أو تركيا أو العراق دونًا عن إيران؟ ثم هل هذه هي اللحظة الدولية والإقليمية المواتية لتجسيد ذلك؟ ثم ماذا عن اختلاف أجندة “الشعب” الكردي بين منطقة وأخرى، وبين تيار سياسي وأخر؟ وأخيرًا، هل لدى هذا الحزب أو ذاك في الساحة الكردية ما يحصّنه إزاء إمكان استخدامه في أجندة هذه الدولة أو تلك؟

في المقابل فإن المعارضة السورية تتحمّل مسؤوليتها في خلق حال من التنابذ مع المجتمع الكردي (وغيره من المجتمعات)، إذ غابت عنها الخطابات الجمعية، التي ميّزت الأشهر الأولى للثورة، وفي عدم اهتمامها بإبقاء طاولة الحوار مفتوحة مع حزب الاتحاد الديمقراطي. ولا شك هنا أن الفصائل العسكرية، ذات الخلفية الإسلامية، “أسهمت كثيراً في مفاقمة هذا الخلاف ودفع الأكراد في النأي بأنفسهم عن الثورة”، بخطاباتها وأشكال عملها، وهو ما ينبغي تداركه، وبالتأكيد فبين هذا وذاك يمكن تفهّم المأخذ على حزب (ب ي د)، والحرج الذي يصيب المعارضة من جراء انخراطه في معاداة تركية، لكن كل ذلك ينبغي أن يحثّ على تدارك الأمور وفتح الحوار، بدلًا من “دفع” هذا الحزب أو تسهيل دفع جمهوره نحو أحضان النظام.

 

قصارى القول، تخطئ المعارضة كثيرًا في مواجهة هذا الحزب، بتعميم موقفه على الأكراد عمومًا، أو في الانتقاص من “المظالم التاريخية” التي وقعت بحق الشعب الكردي، في كل بلدان وجودهم، كما في مواجهة العصبية القومية بعصبية قومية مقابلة، هذا ينطوي على انغلاق ورفض للآخر، وتقويض لفكرة العيش المشترك في سورية الجديدة، وهذا يفيد النظام ويضر بالمعارضة، التي يُفترض أن يدخل في إدراكاتها أنها تشتغل؛ كي تكون بديلًا حقًا له، وهذا لا يمكن أن يكون إلا وفق إجماع وطني جديد. بمعنى آخر، فإن القول بسوريا واحدة، أو بوحدة التراب السوري، لا يعني شيئًا إلا إذا كان ينطوي على الوعي بضرورة التأكيد على وحدة السوريين، بكل مكوناتهم وأطيافهم، في دولة مواطنين أحرار ومتساوين، وفي نظام ديمقراطي يكفل للجميع حق وحرية التعبير عن ذاتهم، سواء القومية أو الدينية أو المذهبية أو الأيديولوجية أو غير ذلك.

 

السؤال الآن وفي هذه الأوضاع التي يقوم فيها النظام بالاستفراد بحمص ودمشق، بالتطهير الديموغرافي منطقة تلو الأخرى: هل سيبقى مسار الاقتتال قائمًا ولصالح من؟ أم يمكن للأطراف المعنية، (ب ي د) وفصائل الجيش الحر والقوى الإقليمية، اللجوء إلى لغة الحوار والوصول إلى تفاهمات تفوّت استهدافات النظام؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق