كلمة جيرون

الثورة لا تُقدّم “ضمانات”

بدأت “الانتفاضة” السورية قبل خمسة أعوام ونيّف، كنِتاجِ حاجةٍ مشتركة وبطولةٍ جماعية، شاركت فيها أغلبية فئات المجتمع السوري، نخبًا وعامّة، مثقفين وأمّيين، أبناء الشمال والجنوب وما بينهما، أصحاب جهد عقلي وأصحاب جهد عضلي، وفقراء وأغنياء أيضًا، وكانت “الانتفاضة” بهذا الشكل حركة نادرة، جمعت المجتمع السوري، مسلمين ومسيحيين، عربًا وأكرادًا، وكل “جماعة” تقع بين هذه الفئات أو على أطرافها، وهذا “الجمع” هو بحد ذاته عمل ثوري لم يسبق أن شهدت سورية مثله.

 

كان من الممكن لهذا “الجمع” أن يُسقِط النظام، كموجة تلفظ زبد البحر خارجه، لكن سرعان ما استشعر النظام خطر اليد الواحدة، فعمل على فرط عقد هذا “الجمع” السوري الجميل، بوسائل شتى، معتمدًا على تكتيك يقضي بإثارة النعرات الطائفية، وتعميق النزعات القومية، وإبراز الفروق الطبقية، وإيقاظ مفاهيم الأقليات والأكثريات، والحض على التمييز المناطقي، والطبقي، وتشجيع تصادم الأيديولوجيات، وتعميم كل المفاهيم المريضة التي قامت الثورة -أساسًا- لمداواتها أو استئصالها.

 

سرعان ما تجاوب معه كثيرون، بسرعة وبساطة، بل وبسذاجة، فانفرط عقد “الجمع”، وصار كثيرون يضعون للثورة شروطًا كي يُشاركوا فيها، ويطالبون بضمانات قبل أن يقوموا بأولى خطواتهم تجاهها، وقالوا: إنّ ما لا نضمنه خلالها لن نضمنه بعد انتصارها، فأحجموا عنها، وخذلوا من بقي متمسّكًا بها.

أحجمت النسبة الكبرى من الأقليات الدينية والمذهبية عن الثورة؛ لأن هذه الثورة -في نظرهم- لم تضمن لهم حقوقهم الدينية في سورية المستقبل، ولم تُقدّم برهانًا على أنها لن “تذبحهم”، ولم تقدّم قوانينَ ملموسة تضمن تمثيلهم الكامل في الحكم المقبل، وقالوا إن من خرج من المساجد قد يعود إليها، متناسين أنهم هم أنفسهم كانوا يجتمعون هناك قبل خروجهم في التظاهرات.

 

كذلك أحجمت الأقليات القومية عن الثورة، بحجة أنها لم تُقدم لهم -مسبقًا- ضمانة لتمثيلهم النسبي، ولم تضع ضمانة واضحة لحقوقهم القومية والثقافية، ولم تمنحهم صكًا ممهورًا بتوقيع كل السوريين بأنهم سيكونون متساويين، وطالبوا هذه الثورة (المسكينة) بـ (شيكٍّ) على بياض باعتماد لغتهم كلغة رسمية، متناسين أن لغتهم كانت لغة محبوبة من لغات الثورة دون أن يشترط أحد.

تراجع كثير من اليساريين عن دعم الثورة، لأنها ليست ماركسية لينينية، وطالبوا بأن تكون أممية، بروليتارية، بل ورثّةً أيضًا، وأن تضمن لهم أن يكونوا جزءًا من (مكتبها السياسي)، كما تراجع عن تأييدها بورجوازيون، وقالوا إنها بروليتاريةً، بل ورثّةً أيضًا، واشترطوا ضمانة مسبقة بأن تحمي مصالح الطبقة (المخملية) ليكونوا لها عونًا وسندًا.

 

الثورة الشعبية، بمفهومها العام، القديم والحديث، هي الخروج عن الوضع الرّاهن نتيجة عدم الرضا، وتغييره، بحثًا عن وضع أفضل، وهي التمرد على الحاكم المُستبد، للإطاحة به لصالح حُكمٍ عادل، وهي تغيير مؤسسات الحُكم الفاسدة الاستبدادية الشمولية المتعفنة الطائفية اللا وطنية، بمؤسسات وطنية، نزيهة وعادلة، تحفظ كرامة الجميع وتُقدّس حقوقهم، وقد تكون الثورة “ناعمة” أو “برتقالية”، وقد تكون “عنيفة”، فهي ظاهرة اجتماعية – سياسية لا ترتبط بقانون، ولا تُقدّم ضمانات مُسبقة للمشاركين فيها، ولا تقدر على منح أي صكوكٍ قبل تحقيق أهدافها، وضمان الانتقال السياسي الجذري الشامل للسلطة.

 

نسي من أحجم عن دعم الثورة وتأييدها، سواء لأسباب دينية ومذهبية أو لأسباب قومية وعرقية، أو لأسباب أيديولوجية منفعية، أن الثورة لا تُقدّم ضمانات مسبقة لأحد، وفي الوقت نفسه، تقدّم كل الضمانات فيما لو نجحت، لأنها هي وحدها من يضمن الغد الكريم للجميع، ووحدها من يضمن مستقبل الأجيال المقبلة، ومن يضمن كرامة وحصانة “الوطن” المرتقب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق