تحقيقات وتقارير سياسية

في نسخة معدلة عن داريا تهجير المعضمية

أرخى ما حدث في مدينة داريا، في ريف دمشق الغربي، بظلاله على الأحياء والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام كاملة، في دمشق ومحيطها، إذ أكد ناشطون من داخل مدينة المعضمية المحاصرة، أنه إثر تنفيذ اتفاق إخلاء مدينة داريا المجاورة، دخل وفد للنظام، برئاسة مسؤول أمن الفرقة الرابعة، حاملًا معه مطالب عدة أبرزها، تسليم الأسلحة (الثقيلة والخفيفة) كافة، وتسوية أوضاع المقاتلين، وإنهاء كل المظاهر المتعلقة بالثورة، وعودة مؤسسات الدولة إلى المدينة، ومن يرفض من المقاتلين تسوية أوضاعه فمصيره التهجير، دون طرحٍ واضح حول مصير أكثر من 40 ألف مدني، مازالوا داخل المدينة، وفي حال عدم الموافقة، فعلى المدينة وأهليها مواجهة البراميل المتفجرة والحصار المطبق في تهديد صريح بمسح المدينة بأكملها عن الوجود،  ما يعني أن كل المخاوف من سياسة ممنهجة لتغيير التركيبة الديمغرافية في محيط العاصمة أصبحت واقعًا ممارسًا على الأرض، في انعكاسٍ واضح لما يتم إنتاجه من خرائط داخل مطابخ السياسة الدولية، تُعيد بطريقةٍ أو بأخرى، إعادة ترسيم مناطق النفوذ والمصالح في سورية، على أسس عرقية وطائفية.

 

ناشطو المعضمية أكدوا أن ما من خيارات كثيرة لدى المدينة، وبالتالي فإن المصير الأقرب هو مصير مشابه لداريا، وفي هذا السياق أكد الناشط يحيى أمين، لـ (جيرون) أن أي حديث عن إمكانية فعل شيء، بإمكانه إنقاذ المعضمية من مصير بات محتومًا، فات أوانه، وقال “أعتقد أن الخيار الوحيد هو الموافقة، وقبول مبادئ الاتفاق مع النظام؛ لأنه -وببساطة- في حال رفضها، لن يتوانى النظام عن الاستمرار بإطباق الحصار على المدينة، بشكل أقسى من السابق؛ ما يعني عودة شبح الجوع الذي ذهب ضحيته العديد من أبناء المدينة، أضف إلى ذلك أن من كان بإمكانه فعل شيء لإنقاذ المعضمية هم ثوار داريا، أما بعد رحيلهم، فلا يمكن لنا في المعضمية الصمود؛ وبالتالي، أعتقد أننا أمام مصير مشابه لما حدث في داريا”.

 

ما يحدث في أحياء العاصمة ومحيطها، الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة، يُرجعه بعض الناشطين، داخل تلك الأحياء والمناطق، إلى انتشار مشاريع المصالحات والهدن، التي ساهمت بوجود طبقة، يمكن القول بأنها مُنتفعة، ترتبط -بشكل أو بآخر- بالنظام مصلحيًا، وهو ما أكده أمين بقوله: “يوجد داخل المعضمية شخصيات ووجوه شبه موالين لنظام الأسد، تحت ستار ذرائع ومبررات عديدة، ومن هنا يمكن القول إن السيناريو (الأفضل) ضمن هذا الواقع، هو سيناريو داريا، أي: الترحيل والتهجير؛ لأنه في حال بقاء المدنيين، لن يستطيع سكان المعضمية حماية أعراضهم وأطفالهم من تجاوزات الميليشيات التي ستدخل المدينة”.

 

وعدّ أمين المنظمات الدولية شريكة للنظام في جرائمه، بتغيير الهوية السكانية لمحيط العاصمة دمشق، تماشيًا مع مشاريع سياسية كبرى، تتجاوز الحدود الجغرافية لمدن الريف البسيط، وأضاف: “المنظمات الدولية هي الراعي الرسمي للتهجير، كما سبق في حالة داريا وغيرها من المناطق، هيئة الأمم المتحدة لم تستطع أن تؤمن طريق بمسافة 2 كم لإيصال المساعدات إلى أهل داريا، بينما استطاعت تأمين طريق بمسافة 400 كم لتهجير سكان المدينة، من يسعى للتغيير الديموغرافي هو المجتمع الدولي المتخاذل؛ لدرء أي خطر ممكن أن يهدد أمن إسرائيل، أو يعرقل تمدد النفوذ الإيراني، حيث كشفت الثورة السورية أن أكبر حلفاء المنطقة هم طهران-تل أبيب- والأسد، وبالتالي، كل ما يحدث هو مخطط دولي على أساس ترسيم خرائط جديدة بأبعاد طائفية عرقية، تستهدف أساسًا ترحيل العرب السنة من أماكن وجودهم حول العاصمة دمشق، وقد لا يتوقف عند هذه الحدود مستقبلًا”.

 

وأكد مصدر من داخل المدينة، رفض الكشف عن اسمه، لـ (جيرون) أن اجتماعًا وصفه بـ “الحاسم” مساء اليوم الثلاثاء، سيُعقد بين وفد النظام والوفد الممثل لمدينة المعضمية، سيحدد الصيغة النهائية للاتفاق وخطواته الإجرائية.

يبدو أن ما حدث في داريا لم يكن سوى البداية الأكثر وقاحة، في مخطط دولي إقليمي، يعمل ويسعى لإعادة إنتاج سورية مفككة، مبنية على مناطق نفوذ تتقاسمها الدول الإقليمية الأبرز، برعاية أميركية – روسية، وهو ما يعني أن النظام السوري، ورأسه تحديدًا، مازال حتى اللحظة المعتمَد الأبرز، كوكيل حصري لتنفيذ السياسات الدولية القذرة في المنطقة، اعتقادًا منه بإمكانية تعويمه من جديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق