قضايا المجتمع

الخطاب الإسلامي بين شرعية السلطة وإسلاميتها

يقول المفكر والمستشار عبد الجواد ياسين في كتابه (السلطة في الإسلام): “إذا كان التاريخ هو مفتاح العقل، فإن السلطة هي مفتاح التاريخ”، وتلك “حقيقة مطلقة” في تاريخ البشرية، ولكنها تتجلى -أوضح ما تكون- عبر تاريخ الإسلام بوجه خاص، حيث لعبت السلطة دورًا جبروتيًا طاغيًا في تشكيل العقل، لا أقول العقل السياسي الإسلامي فحسب، بل العقل الجمعي الإسلامي العام كذلك؛ إذن، عندما يصبح التاريخ مرجعية كسائر المرجعيات الموهومة المزيفة التي تلغي دور النص/ الوحي، المصدق والمهيمن على تاريخ الأفكار والأشخاص، وسائر المرجعيات الأخرى في تاريخ البشر، والعقل العلمي والمنهجي، العاصم من الوهم والزيف، وتتنكر لمسلّمات العلم ويقينياته في البحث عن الحقيقة، وتتحكم بالوعي الجمعي، بل والنخبوي، فبدون نقد ومراجعات جادة وجريئة، سيبقى الفكر السياسي الإسلامي يعيش أزمات حقيقية، على رأسها أزمة “الشرعية السياسية”، وشرعية السلطة ومبرر وجودها؛ لأنها -حقيقةً- أكبر مشكل واجه الفكر والفقه الإسلامي، منذ لحظة الانحراف عن الخلافة الراشدة الشورية إلى المُلك العضوض.
يواجه العالم العربي والإسلامي -اليوم- تحديات كبرى، خارجية وداخلية، في مرحلة مصيرية وفارقة من تاريخه المعاصر، وسنركز في هذا المقام على أهم وأخطر التحديات الداخلية، وهي موضوعة السلطة، بين شرعيتها وإسلاميتها في تصور الحركات والجماعات الإسلامية.
يقول الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، حول هذه الفكرة وماهيتها: “قد يكون مفهوم الشرعية من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى الإيضاح والتفسير، ذلك أنها تختلط من الوهلة الأولى بـ (القانونية) أي بالجانب القانوني والشكلي للشرعية.. في حين أنها في مجال فلسفة السياسة والحكم أوسع من ذلك، وأعمق في معناها ومغزاها.
فاقتناع الشعب “بأحقية السلطة وجدارتها”،ِ هذا الاقتناع هو جوهر الشرعية ومغزاها، لا تُغني عنه كل أشكال السطوة والرهبة والنفوذ، حتى ولو أحاطت نفسها بعشرات الدساتير والقوانين والنصوص المقدسة والشعارات الدينية.
وانطلاقًا من رؤية المفكر الإسلامي اللبناني محمد حسن الأمين، وتوصيفه للمشكل الفكري والسياسي عند الحركات الإسلامية والتي يقول فيها “إن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الحركات الإسلامية أنها بحثت عن إسلامية السلطة، ولم تبحث عن شرعيتها” هذا يوحي بأن هناك فوضى في الأولويات يعاني منها العقل الإسلامي بشكل عام، والسياسي منه بشكل خاص، في سياقات الدين والفكر والسياسة.
هذا الكلام ينطبق أيضًا على السواد الأعظم من الناس في المجتمعات العربية والإسلامية، وإذا ما طرحنا سؤالًا على شريحة واسعة من هذه المجتمعات، سيكون معظم الإجابات، بكل صراحة ووضوح ومن غير تردد، تقديم إسلامية السلطة على شرعيتها، ولو كانت هذه السلطة تُمارس أبشع وأفظع المظالم والجرائم، والواقع أكبر دليل على ذلك، وبالأخص في الثورة السورية.
إذن هناك مشكل حقيقي وعميق، متجذر في بنية العقل المسلم وتشكله الثقافي والسياسي في تاريخ المسلمين -ولا نقول تاريخ الإسلام، فهناك فرق منهجي بين إسلام النص الخالص المجرد المتعالي وإسلام التاريخ- وعلى وجه التحديد أحداث صدر الإسلام، ولقد حقت كلمة الإمام عبد الكريم الشهرستاني التي ضمنها كتاب (الملل والنحل) “من أن كل التبلبلات التي مرت بالتاريخ الإسلامي سواء في العقيدة أو السياسة، يمكننا أن نجد لها مرتجعًا ومردًا في حوادث صدر التاريخ)، وهذه فكرة لاريب في أنها نيّرة جدًا، وموفقة، كما يقول الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله”.
إن هذه الفكرة، تحضنا وتطالبنا بالوعي بأهمية، بل وجوب، نقد ونقض الفكر السياسي الإسلامي القديم، لأننا سجناء مفاهيم قديمة أثّرت في وعينا الديني والسياسي، وأصبحت من منظومة الأفكار الفقهية والفكرية الضاغطة على المجتمع بقوة، بحكم سلطة الفقهاء الدينية والروحية على الناس، وهذه حقيقة يؤكدها د. حسن الترابي بأن من أهم الأسباب التي غاب فيها الفقه السياسي والدستوري هو “أن الفقهاء الأوائل كانوا يُسلّمون الحياة كلها الى الله وتقواه، ولكنهم حينما ذهبوا يفتون بإنكار شرعية تولي الأمر استلابًا وجنوح الساسة إلى العصبية والمغالبة، وتجبّر الولاة فظاظة وغلظة على الرعية، تعرضوا لتدابير وأخذوا بنذير العقاب، عندما اتقوا مصطرع السياسة وتجبر الطغاة، توجهوا بالفقه الى خطاب عامة المسلمين، يفصّلون لهم أحكام الشرع وهديه العام في شعب الإيمان، شعائر العبادة وأخلاق التعامل وقضايا التحاكم في شؤون الأسرة والجناية ونحو ذلك. إن رصيد الفقه الموروث لم يجد هديًا حاضرًا كافيًا لإسلام السياسة لله، بل كان خواءً إلا قليلًا يعتريه الخطأ الكثير” من كتاب “الحكم والسلطان”.
إن التركيز على إسلامية السلطة دون شرعيتها، إهدارٌ لحق الأمة والمجتمع، الذي هو مصدر السلطات كلها ومصدر الشرعية الوحيد، لأن الشورى/ الديمقراطية والإجماع، ونقصد به الإجماع السياسي أو ولاية الأمة لا ولاية الفقيه ولا الخليفة الذي هو ظل الله في الأرض، كما أدعى الجبابرة المتألهون، فـ “الشورى والأمة” ركنان أصيلان في فقه القرآن ومنهج النبوة، على خلاف ما ذكره فقهاء السياسة في التاريخ، فالواجب على الحركات والأحزاب الإسلامية السياسية وقادة الرأي فيها، أن يقوموا بمراجعات حقيقية وجريئة، تؤثر في قاعدة عريضة وكبيرة من أنصارهم وحتى من الشباب العربي والمسلم في هذه المجتمعات، نريد لهؤلاء الشباب أن يتأسس وعيه السياسي على منطق الشرعية لأي أنموذج سياسي أو سلطوي، أو حتى ديني قبل إسلامية هذا النموذج أو ذاك، بل إن شرعية السياسة التي نحن في ميدانها، أهم بكثير من السياسة الشرعية التي أضفاها الفقهاء على أئمة الجور، “إنك لا تجد في كتبهم بحثًا اجتهاديًا جامعًا يُبيّن لنا الأساس الفلسفي أو المنطقي العام الذي يستند إليه قيام الدولة، وما أنيط بها من وظائف حيوية تستلزمها الغاية القصوى التي اقتضت أصل قيامها” د. فتحي الدريني (خصائص الإسلام في السياسة والتشريع)، فخرج الفقه السياسي الإسلامي فقهًا تبريريًا تسويغيًا، يُشرّع لإمارة المتغلب والمغتصب للسلطة بالقوة؛ لأنه أصبح واقعًا قائمًا، ولا يجوز الخروج عليه لظلمه أو فسقه خشية “الفتنة”.
حجة الإسلام وإمام أهل السنّة، الغزالي، يقرر بوضوح لا لبس فيه أن “مدار الشرعية السياسية هو استيفاء شروط القوة والغلبة وحفظ وجود الأمة وتجنيبها الفتنة” (فضائح الباطنية). وهناك حالة من التنصيص السياسي، إن صح التعبير، وظّف فيها فقهاء السياسة وبعض فقهاء المذاهب نصوص (القرآن والسنة) لخدمة السلطة، وإسكات كل صوت معارض في الأمة.
بعد الحدث الثوري الذي ضرب المنطقة كأنه الزلزال، اهتزت معه أوضاع راكدة؛ لكي تسقط أنظمة سياسية عاتية، وتتهاوى أصنام أيديولوجية ونماذج نضالية ورموز ثقافية ودينية، تصدرت المشهد طوال عقود، وبتنا إزاء تحولات جسمية وخطرة، شكلت نقلة نوعية تغيرت معها المعطيات وانقلبت المعادلات، فتغير مجرى الأشياء، بقدر ما تجددت معاني الكلمات والمصطلحات، حتى الثورة، إذا كانت ثورة حقًا، فإن هدفها النهائي يفترض أن يكون “إقامة شرعية جديدة”، بل إن ما يفرق بين الثورة والانقلاب، هو هذا المعيار المهم كما يرى الكاتب أحمد بهاء الدين.
والخلاصة، إن كل سلطة شرعية، بمعنى أنها جاءت من خلال إرادة الأمة، فهي سلطة إسلامية بشكل أو بآخر، ولا يصح العكس، وهذا ما عبّر عنه الإمام ابن عقيل الحنبلي إذ يقول: “السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي”، هذا الكلام المهم يؤكد على أن الأمور بمقاصدها ومآلاتها، لا بصورها وأشكالها ومسمياتها، وحتى ولو كانت مسميات شرعية، لأن الإسلام في حركة التشريع كله يبتغي (العدل والإحسان)، فالأمة من جهة، وقيمة العدل والإحسان من جهة أخرى، هما الأساس لشرعية السياسة أو السلطة، إسلامية وغير إسلامية، “فالعمل إذن من جانب المثقفين وكل المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد، بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأن مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة” كما يقول د. رضوان السيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق