مقالات الرأي

الإيديولوجيا وإزاحة الثورة عن هدفها

الأيديولوجيا مجموعة منظّمة من الأفكار، تُشكّل منهجية متماسكة شاملة، وطريقة لرؤية القضايا التي تتعلق بالأمور الفلسفية والسياسية، وبحسب “كارل ماركس”، فإن الأيديولوجيا أفكار تفرضها الطبقة المهيمنة في المجتمع على باقي أفراده، وعبر التاريخ تطور مفهوم الأيديولوجيا ليصبح أكثر تخصّصًا؛ إذ باتت هي الفكر الذي تنطلق منه الثورات والحركات السياسية والاجتماعية، والمؤثر الأول في قياداتها وكتلتها.

إنّ معظم الثورات المنطلقة من قاعدة أيديولوجية، أو التي رسّخت -خلال سنواتها- أفكارًا قِيَمية، تكللت بالنجاح، كالثورة الفرنسية مثلًا، حيث أشعل شرارتها الأولى الفقراء والبائسون، ضد النبلاء والقساوسة، فخلَّفت ألوانًا من الدمار والدماء، وظلَّت تراوح مكانها -بين شد فريق وجذب آخر- منذ عام 1786، إلى أن استقرت رحاها مع دستور الجمهورية الخامسة عام 1958، لكنها أنتجت قيمًا إنسانية كالحرية والإخاء والمساواة، وإن أتت متأخرة، ولم تكن الباعث الأول لها، لكنها أبعدتها عن اليأس وقرّبتها من النجاح.

كذلك الثورات التي بدأت برفض منهجي لسلب إرادة الشعوب، وأعلت قيمًا إنسانية، كُتِب لها الانتصار المبكر، فالأيديولوجيا الماركسية-اللينينية -مثلًا- كانت سببًا في نجاح الثورة البلشفية، ورسوخ أفكارها في عقول وضمائر قاعدة شعبية واسعة، واستطاعت تحقيق “المساواة” بين فئات المجتمع، والقضاء على الرأسمالية الإقطاعية، وتحقيق الاشتراكية، والعمل الجمعي الموحّد.

أما الثورات التي كانت مجرّدة من أي مضمون فكري، فقد كُتب لها الفشل، كثورة الفلاحين في بريطانيا عام 1931، التي ركّزت على إلغاء الضرائب فحسب، وانطلقت من واقع التدهور الاقتصادي الذي عايشه الفلاحون في تلك الفترة، مبتعدةً عن إلباسه ثوب القيم والمبادئ، فقُمعت بقسوة، وأُعدم زعيمها (وات تايلر).

بناءً على هذه المقارنة، يمكننا القول إن الثورة السورية جمعت بين الأيديولوجيا، انطلاقًا من ركيزة فكرية إنسانية، تنشدُ الحرية والتخلص من الاستبداد، وبين الرغبة المادية في التخفيف من مأسوية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتردّيها، واقتصار الحياة الكريمة على الطبقة الحاكمة.

كانت الكلمة الأولى التي نطقها الشعب السوري في مظاهراته السلمية، هي كلمة (حرية)، لكن هذا المطلب النبيل كان مفهومًا فضفاضًا عند كثير من الفئات، ويحمّل العديد من التفسيرات والتحليلات، فافترض الإسلاميون أن الحرية تعني توطيد دعائم الشريعة في الحكم، فيما افترض العلمانيون أن المدنيّة، وفصل الدين عن الدولة، هما المطلب الحرّ، دون بذل جهد توعوي تنويري؛ لتشكيل قاعدة شعبية تؤمن بهذا الفكر وتصونه وتدعمه.

في عهدة الثورة، نشأت العديد من الأحزاب والتيارات الفكرية غير المنظّمة، وغير واضحة الأهداف، فكانت النزعة الذاتية من أهم أسباب نشوئها، وبدلًا من أن تلعب دورًا إيجابيًا، يُسهم في ترسيخ قيم الثورة ومبادئها السامية والعادلة، ساعدت على تكريس التفرقة والخلافات، وهذا ما حيّد الشعب عن هدفه الأول، وهو التخلص من النظام. أما الأحزاب القديمة، فأغلبها لم يستطع المقاومة بسبب ضعفه وتشرذمه، وعدم قدرته على بثّ فكر يتماشى مع أهداف الثورة، ولم يؤجل الخلاف والاختلاف، ومن توسّع منها لم يخدم الفكر الثوري الديمقراطي المدني، بل سعى إلى إقصاء كل الأطراف الأخرى ومحاربتها، واستخدم مطلب الحرية والعدالة بما يتماشى مع مصالحه.

يمكننا القول: إن كل هذه الأحزاب والتيارات، وعلى الرغم من أخطائها وعثراتها، هي ظاهرة صحيّة، ونتيجة طبيعية لحداثة العمل السياسي السوري، ولكن لا ينبغي التركيز عليها، ولا يجب أن تكون المحرّك لإرادة الشعب، فالحتمية التاريخية التي تفرضها الثورة تتغلب على كل الأفكار، وتفسح المجال لتراجع الأيديولوجيات أو اختفائها، وحيث تنتصر المصلحة العليا للأمة على مصالح الفئات والأحزاب، تكون الثورة على مسارها الصحيح، فالسوريون في حالة حرب مع محتل داخلي، تمامًا كما لو كانوا في حالة حرب مع محتل خارجي، وفي هذه السياق يجب تغييب السياسة الداخلية والأفكار الجزئية، وأن تعلو فكرة واحدة، وحجّة متماسكة شاملة، تساعد الجميع على الصمود والوحدة؛ لحسم المعركة مع “المحتل”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق