سورية الآن

جامعة الدول العربية والربيع العربي دور مبتور وأمل ضعيف في التغيّر

أظهرت جامعة الدول العربية تلكّؤًا في التعاطي مع ثورات الربيع العربي، باستثناء الحالة الليبية؛ الأمر الذي جعل حجم التعويل عليها من شعوب الدول العربية، التي احتجت على سياسات حكوماتها، أقل زخمًا وأملًا، وانعطافة يمكن عدّها تاريخية على مستوى الشعب العربي الذي بات يوجه صوته إلى دول العالم الغربي، بدلًا من الدول العربية.

 

وعلى الرغم من أن الجامعة اجتمعت على مدار السنوات الست الماضية أكثر من مرة، إلا أن اجتماعاتها خرجت بقرارات، لا تعدو عن كونها شكلية، أو تشوبها المناورة السياسية لأنظمة عربية لم تلفحها رياح الربيع العربي؛ من أجل مدّ حمّام الدم أكثر على أراضي الربيع، وجعل هذه الدماء درسًا لشعوبها التي كانت تفكر بتغيير سلمي للسلطة، والنهضة نحو التقدم الديمقراطي للمجتمع الإنساني.

 

يقول الصحفي والمحلل السياسي عبد الوهاب بدرخان: إن “الثورات والانتفاضات كانت ضد الأنظمة، والجامعة كانت وما تزال جامعة للأنظمة والحكومات، فلا ميثاقها ولا صلاحياتها، ولا طرق عملها تسمح لها بالتدخّل في أي شأن داخلي يعدّ سياديًا؛ وحتى المشروعات المطروحة لـ “إصلاحها”، أي لتفعيل وظيفتها، لا تطمح إلى إعطائها حق التدخّل، بل ربما يُستحدث جهاز؛ لرصد الأزمات واقتراح بعثات خاصة؛ للتشاور مع الأنظمة والحكومات المعنية؛ بغية مساعدتها، ولو سألنا ماذا لو أن النظام نفسه سببًا رئيسًا للأزمة المطروحة، فعندها لن يكون للجامعة أي صلاحية لممارسة أي دور”.

 

ويضيف في حديثه لـ (جيرون): “في مختلف الثورات التي شهدناها، لعل الغطاء العربي الذي وفّرته الجامعة للقرار الدولي بالتدخّل في ليبيا، كان الإجراء الأسرع في كل تاريخها، وذلك، لأن قرار الأطلسي كان مُتّخذًا، ولو عرقلته دول الجامعة؛ لكانت حُمّلت مسؤولية مجزرة كبيرة، كان نظام القذافي يستعد لها بقصف بنغازي”.

 

جامعة الدول العربية والثورة السورية

لعبت جامعة الدول العربية في الحالة السورية دورًا يمكن وصفه بـ “بروباغندا” عام 2011، وربما يعود هذا الدور إلى كون المجتمع الدولي أراد لها أن تكون فعّالة، بطريقة أو بأخرى، فأجّل تدخّله ليفسح لها المجال، إلا أن هذا التدخل لم يكن بالمستوى المطلوب لدفع الدم عن الأرض السورية.

 

ويمكن عدّ بعثة المراقبين التابعة للجامعة العربية، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2011، التي ترأسها السوداني، محمد أحمد مصطفى الدابي، أبرز خطوة لها، على الرغم من أن نتائج البعثة لم تأت بما يشفي صدور السوريين، بل إنها -وبحسب كثير من المراقبين- وقفت مع الأسد في حربه ضد السوريين.

 

 

يرى المحامي وعضو الوفد المفاوض في المعارضة السورية، محمد صبرا، أنه “في الحالة السورية كان للجامعة دور بارز طوال عام 2011، فحاولت التوصل إلى تسوية سلمية منذ اندلاع الثورة السورية، فأوفدت بعثة خاصة إلى سورية للقاء النظام السوري، والتباحث معه في هذا الأمر، ومن ثم طرحت جامعة الدول العربية المبادرة الشهيرة القائمة على فكرة الإصلاحات الدستورية، وتفويض صلاحيات رئيس الجمهورية لنائبه، والوصول إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهي المبادرة التي صدرت عن الجامعة العربية في نهاية عام 2011”.

 

وتابع في تصريح لـ (جيرون): “باستعراض القرارات والبيانات الصادرة عن الجامعة العربية، نجد أنها -في عام 2011- أصدرت مجموعة كبيرة من القرارات والبيانات، بدءًا بالبيان رقم 148 د. غ. ع، بتاريخ 27 آب/ أغسطس 2011، وانتهاءً بنزع الجامعة الشرعية عن نظام بشار الأسد في قمة الدوحة، حيث اعترفت بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ممثلًا  شرعيًّا ووحيدًا للشعب السوري؛ وذلك بالقرار رقم 580 بتاريخ 26 آذار/ مارس عام 2013، لكن في المحصلة، الجامعة العربية ومنذ نشأتها وقعت فريسة سياسة المحاور العربية، والصراع السياسي بين الدول العربية الفاعلة، وهي ما زالت -حتى اللحظة- تعاني من سياسة المحاور التي تحول دون تطوير العمل العربي المشترك، وتمنع الجامعة من التدخل الفعال في حل القضايا العربية”.

 

من جهته، يرى بدرخان أنه “بالنسبة إلى الأزمة السورية فإن بطء التدخل ينطبق على الدول الكبرى، وعلى الدول العربية معًا، إذا كان هناك رهان على النظام؛ فإمّا أن يتمكّن من إخماد الثورة، أو ينجح في طرح مبادرة سياسية؛ لذلك، لم يكن ممكنًا للجامعة أن تتوصل إلى (مبادرة) إلا بعد ثمانية أشهر على بدء الثورة”.

وأردف قائلًا: “هنا تجدّد الرهان على أن تكون لدى النظام نية واستعداد للتعاون مع هذه المبادرة؛ لوقف العنف، ووضع أسس لحوار وطني؛ بحثًا عن حل سياسي، وعندما فشلت، انتهى عمليًّا دور الجامعة، غير أنها استُخدمت -لاحقًا- لشرعنة التدويل”.

 

اعتراف بالمعارضة والمقعد فارغ!
بقي مقعدُ سورية في جامعة الدول العربية فارغًا من التمثيل، على الرغم من أن الجامعة نفسها كانت قد نزعت الشرعية عن نظام الأسد، ومنحت الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري.

 

هذا التناقض في التوجّه، ما بين الاعتراف وتعليق الحضور، دفع بالسوري نفسه، قبل العربي، إلى التشكيك في جدية الجامعة بوضع الأسد أمام حقيقة وجوده “اللاشرعي” على رأس السلطة، وطمأنة المعارضة السورية بشرعيتها في المحفل العربي الوحيد.

 

ألقى صبرا اللوم على المعارضة السورية قائلًا:  إن “مسؤولية عدم تسليم مقعد سورية في الجامعة العربية للائتلاف الوطني، تقع على عاتق الائتلاف الوطني بالدرجة الأولى، ففي بداية عام 2013، كانت الأحوال تسمح بتسليم مقعد الجامعة للائتلاف، لكن عدم اتفاق الائتلاف على تشكيل حكومة أو هيئة تنفيذية، كما اشترط قرار الجامعة العربية، أدى لتأخير هذا التسليم، وعندما استخدم النظام السلاح الكيماوي في الغوطة، تغيرت الأوضاع بشكل كامل، فمجلس الأمن أصدر القرار رقم 2118، في 27 أيلول/ سبتمبر، وهذا القرار ينص على اتفاق مدته تسعة أشهر لتسليم السلاح الكيماوي”.

 

وأشار صبرا إلى أنه بفعل قرار مجلس الأمن “لم يكن بالإمكان تسليم المقعد للمعارضة، لأن النظام دخل في شراكة مع المجتمع الدولي؛ لإنجاز تسليم السلاح الكيماوي، وللأسف، هذا التأخير أدى لتغير كبير على مستوى الوقائع في الأرض وأيضًا على مستوى مواقف كثير من الدول من الحالة السورية، وتوصيف ما يجري في سورية”.

 

إلا أن بدرخان يرى أنه، ومنذ “ولادة المجلس الوطني، ثم الائتلاف، لا الجامعة كممثل للدول العربية، ولا الدول التي سمّيت (أصدقاء الشعب السوري)؛ اقتنعت بأن أيًّا من هذين الكيانين يشكّل تمثيلًا شاملًا للمكوّنات الاجتماعية، أو بديلًا جاهزًا عن النظام، أو بديلًا يمكن تطويره؛ ليصبح أكثر جهوزية”.

 

وقال: “لذلك فإن عدم تسليم المقعد السوري إلى الائتلاف، كان نتيجة خلافات عربية وضغوط خارجية، وكذلك نتيجة نظرة إلى الائتلاف بأنه خاضع للدولة أو الدول التي تحتضنه، كما أن مسألة المقعد أدخلت في متاهة التخريجات القانونية للاعتراف بـ “شرعية” من يتسلّمه، وفي النهاية عُدّ عدم تسليمه من عناصر تخفيف سلبية النظام للحل السياسي، علمًا بأن هذه الحجة كانت وما تزال واهية”.

 

وبخصوص عدم اتخاذ قرارات فاعلة من قبل الجامعة، يرى أن ذلك مردّه إلى اعتقاد الجامعة بأن “الضغط على النظام يمكن أن يدفعه إلى تغيير حساباته، إذا جمّدت عضوية سورية، أو إذا سُحب السفراء، وفرضت قطيعة اقتصادية، وذلك ينم عن جهل بطبيعة هذا النظام الذي اتضح انه لم يفكّر إلا بالحل العسكري”.

 

وشدد على أن “أكثر القرارات فاعلية، هو أن تتبنّى الجامعة -على سبيل المثال- قرارًا بتشكيل قوة تدخّل عربية في سورية، لكن الوضع العربي الذي نشأ غداة الثورات، لم يكن يشجع على طرح هذه الفكرة، خصوصًا مع عدم وجود دولة عربية متاخمة لسورية، يمكن الانطلاق منها، والأهم أنه منذ لحظة تدويل الأزمة، مطلع 2012، فقدت الجامعة القدرة على طرح أي مبادرات عربية، أيّاً كان نوعها”.

 

هل نشهد تغييرًا في توجهات الجامعة 

ويبقى السؤال الأكثر أهمية في هذه المعادلة الشائكة، حول دور الجامعة العربية أمام الثورة السورية، هو ماذا كان، وما زال، بإمكان الجامعة العربية فعله في الملف السوري، من أجل وقف نزيف الدم المستمر في البلاد، منذ خمس سنوات ونيّف، وإيصال البلاد إلى بر الأمان بعد كل هذا الخراب، بالتزامن مع استلام أحمد أبو الغيط الأمانة العامة للجامعة، خلفًا للأمين العام السابق نبيل العربي.

 

يعقب صبرا على الموضوع قائلًا: إن “الجامعة العربية لا يمكن النظر إليها كمؤسسة مستقلة عن الدول والحكومات العربية، فهي لا تملك سياسة خاصة بها، وبقيت رهينة مواقف المحاور في داخلها، سابقًا كان المحور السعودي في مواجهة المحور المصري خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، ومن ثم دخلنا في ترتيبات أخرى، حيث نشأ محور جزائري- سوري- مصري، في مواجهة المحور الخليجي، وفي الفترة الحالية وصلت الجامعة إلى حد كبير من الضعف الذي يمنعها من أن تكون فاعلة، وقد قام السيد عمرو موسى، في نهاية ولايته، بطرح خطة لإصلاح الجامعة العربية، تقوم على إنشاء مجلس أمن عربي، ومحكمة عليا عربية، وقوة تدخل عربية، لكن هذا المشروع اصطدم بخلافات الدول العربية، ولم يبصر النور، ولا أظن أن الجامعة في وضعها الحالي قادرة على تقديم أي مساهمة فعالة في القضايا العربية”.

وأضاف أن أمين الجامعة ليس له تأثير حقيقي على سياساتها، “فهو مجرد ميسر لاجتماعاتها، ولا يحق له أصلًا التدخل في رسم سياسات الجامعة، التي يتولاها عادة المجلس الوزاري العربي والقمة العربية، وبالتالي، شخصية الأمين العام لا تعبر عن أي تغيير في سياسة الجامعة، لأنه محكوم بسياسات الدول الفاعلة فيها، ولا سيما السعودية ومصر”.

 

ويؤكد بدرخان أيضًا أنه “نظرًا إلى أن العالم العربي دخل في حال من الاضطراب؛ بسبب أوضاع مصر، وتفكك الثلاثي العربي الاستراتيجي (مصر والسعودية وسورية)، فقد حال ذلك دون بلورة إرادة عربية؛ لفرض حل سوري برعاية عربية، أو حل عربي بقبول سوري، ولو كان لدى النظام رغبة حقيقية في إنهاء الأزمة؛ لكانت الجامعة طرحت أفكارًا من نوع إرسال قوات عربية مثلًا، لكن ينبغي ألا ننسى أن الجامعة ليست لديها الأجهزة، ولا الخبرة للتدخّل؛ وبالتالي، كان عليها أن تبتكر بشرط تعاون النظام، وهو ما لم يكن متوفّرًا”.

 

وحول دور الأمين العام الجديد في إحداث أي تغيير في توجه الجامعة، يقول: إن “لكل أمين عام للجامعة أسلوبه، لكن الأوضاع غير المسبوقة، التي فرضتها الثورات والاستجابة الضعيفة والمتواضعة للجامعة حيالها، والتأخّر في إصلاح الجامعة وتطوير وظيفتها وصلاحياتها، ألقت بظلالها على الجامعة، وجعلتها مجرد جسم إداري، يعكس الحال الراهنة السيئة للأنظمة. العالم العربي الذي نعرفه انتهى، والبديل لم يتشكّل بعد، لذلك فإن المشكلات والقيود التي واجهها الأمناء السابقون، ستفرض نفسها بالضرورة على أحمد أبو الغيط، الذي راكم خبرته وتجربته في أحوال أقلّ تعقيدًا”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق