تحقيقات وتقارير سياسية

تقاطع مصالح دولية يرسم خارطة “سورية الفيدرالية” وهذه ملامحها

من جرابلس والحسكة إلى داريا والمعضمية، مرورًا بالوعر، بدأت تتضح معالم الخارطة السورية، على أرض الواقع، عبر إعادة رسمها، ليس جغرافيًا -أقله مبدئيًا- وإنما على شكل مناطق نفوذ، يجري تغليفها بـ “فيدرالية” مُبتكرة على الأغلب، حيث “سورية المفيدة” من الجنوب إلى الوسط والساحل، موزعة ما بين روسيا وإيران، تضمن للأولى قواعدها العسكرية البحرية والجوية في الساحل، علاوة على فرض سيطرتها على خطوط محتملة، لمرور الغاز مستقبلًا باتجاه أوروبا، بينما تُؤمّن لطهران خطوط إمدادها العسكري لميلشيا حزب الله في لبنان، وتحفظ لها خط صلة جغرافيًا، يربط بين لبنان والعراق عبر القلمون – تدمر، في حين يبقى شمالي سورية (حلب وما حولها) من نصيب النفوذ التركي الخالي من كيان كردي، أو إدارة ذاتية مع إمكانية احتفاظ الولايات المتحدة بقاعدة جوية، قرب عين العرب (كوباني)، يليه شرقًا وأجزاء من شمال شرقي سورية، حيث منطقة النفوذ الكردي “برعاية” أميركية، وربما وجود عسكري مباشر لها، في قاعدتين، صارتا جاهزتين، وعلى تماس مع قواعدها في العراق، بينما الدول العربية خارج الحسابات حتى اللحظة.

 

لم يكن التدخل التركي العسكري المباشر أقل مفاجأة بكثير من التدخل الروسي، سواء في عنصر المباغتة، أو لجهة التأثير في مراكز القوى العسكرية على الأرض، وبالتالي على طاولة الحل السياسي، بحيث تكون أكثر توازنًا؛ لكن المُفاجئ أكثر، هو سرعة الانقلاب الأميركي على “الشريك” الكردي” لا في توقع حدوثه”، والذي عبّرت عنه تصريحات نائب الرئيس، جو بايدن، بمنع تجاوز ميلشيا صالح مسلم إلى غرب الفرات، وتأييده حق تركيا المشروع بالدفاع عن حدودها الجنوبية، على حد تعبيره. ولا شك في أن المفاجئ أكثر، هو صمت موسكو – إيران، عن تحرك أنقرة عسكريًا، بعد أن كانت مثل هذه الخطوة كفيلة بإشعال حرب إقليمية، قبل نحو شهر.

 

بالتزامن مع دخول الدبابات التركية إلى شمالي سورية، اندلعت مواجهات “نادرة” بين قوات الأسد، وميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردية” في الحسكة شمال شرقي سورية، “غرب الفرات”، أسفرت عن اتفاق بين الطرفين، في قاعدة “حمميم” برعاية روسية، يقر بسيطرة الميلشيا الكردية على المدينة العربية، ويُسهل لها عملية ضمها إلى “إدارتها الذاتية”، كما يُشكل رسالة حسن نية من الأسد إلى أردوغان، برفضه إقامة كيان كردي، يقسم سورية جغرافيًا، لكنه لا يحول دون “فدرلتها”.

 

بالتوازي، كان الأسد يضع بصمته على الاتفاق النهائي لإخلاء داريا، جنوبي دمشق، من مقاتليها، بترحيلهم إلى الشمال، ومن مدنييها بتهجيرهم طائفيًا، إلى مراكز إيواء في حرجلة، تمهيدًا لإعادة توطينهم بشكل نهائي خارج داريا، وهذا ما أكده الإعلام الموالي للأسد، نقلًا عن مصادر عسكرية، استبعدت عودة الأهالي إلى المدينة. ولعل اللافت أن الاتفاق كان برعاية “الأمم المتحدة”، بيد أن اللافت أكثر هو تهديد وفد الأسد المفاوض باستمرار استهداف المدينة بـ “النابالم” المُحرّم، وبغطاء دولي، بحسب ما أكدته مصادر المقاتلين. فيما تلقى أهالي ومقاتلو المعضمية المجاورة لداريا، وآخر نقاط وجود مقاتلي المعارضة في غوطة دمشق الغربية، تهديدًا صريحًا أمس (الاثنين)، بوجوب تسليم الأسلحة كافة، وإعادة المدينة إلى سيطرة الأسد كاملة، تحت طائلة التهجير الطائفي، لنحو 45 ألف نسمة من سكانها، وفي ظل صمت مُريب لجبهات درعا، وغوطة دمشق الشرقية.

 

بدوره، شهد حي الوعر، آخر الأحياء الثائرة في مدينة حمص وسط البلاد، وبعد يوم واحد من إخلاء داريا، أكثر من 12 غارة جوية، ما أدى إلى سقوط ما لا يقل عن عشرة ضحايا، بينهم أطفال ونساء، كما استخدم طيارو الأسد فيها قنابل “النابالم” المحرم دوليًا، وهو ما أثبته فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُظهر إصابة طفل بحروق “نابالم”، أسقطته طائرات الأسد، على الحي السنّي الوحيد الخارج عن سيطرتها المطلقة في المدينة، التي كانت تُسمى يومًا بـ “عاصمة” الثورة.

 

هذا هو المشهد السوري في واقعه الجديد، وتحولاته التي يتوقعها الرئيس التركي “تحولات كبرى لصالح السلام في المنطقة قبل نهاية هذا العام، لكنها تحتاج إلى بعض الاتصالات الإضافية؛ لتبيان كل أبعادها المقبلة”، وفق ما قاله أردوغان لسعد الحريري، ونقلته عنه صحيفة (الجمهورية) اللبنانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق