أدب وفنون

داريا التي أنهكها صمودها

قبل أن تندلع الثورة، لم يكن أحدٌ يعلم أن ثمة مدينة ساكنة في الشطر الغربي من غوطة دمشق اسمها داريا، لم يكن أحدٌ يعلم بأن هذه المدينة كانت تنام على الجمر طوال السنوات العجاف التي أتى بها أولئك الطارئين على الحياة، القادمين من كهوف الهمجية، وما إن اندلعت الثورة، حتى نهضت المدينة من تحت الجمر كطائرٍ خرافي؛ لتُحلق في سماءٍ تملؤها الجوارح، حَّلقتْ نحو الحرية، داميًة أبيًة مكللًة بالكبرياء في زمن طافحٍ بالرَّداءات.

 

منذ البداية استطاعت داريا أن تُبدع في صناعة الأنموذج الثوري الصحيح، الأنموذج المنيع أمام أي مرض يمكن أن يحد من قوتها، أو يقلل من عزيمتها، وربما كان نفَسُها في المظاهرات السلمية هو الأطول، والأكثر قدرةً على الصمود، بالمقارنة مع حجم الهمجية والعنف الذي قابل به النظام سلمية الثورة قي البدايات.

 

استطاعت داريا أن تصنع من نفسها أيقونةً للسلام، فقابلت الرصاص الحي بالماء والورود وأغصان الزيتون، كان “الدارانيون” يزرعون أرصفة الشوارع بقوارير الماء البارد المزينة بالورد؛ كي يشرب من كانت تحسبهم إخوةً، لكن أولئك المُحمّلين بأحقاد الدنيا لم يكونوا ليرتووا إلا من شرايين داريا ودماء أبنائها؛ إلا أن دم داريا ظل متدفقًا، تُلهبه نار الثورة وشهوة التغيير.

 

داريا التي استطاعت أن تنأى بنفسها عن الفوضى التي تصيب الثورات عادةً، استطاعت أن تُقدِّم مشروعًا ثوريًا حضاريًا له قوانينه وأسسه المنسجمة مع روح الحرية، المتآلفة مع مقاصد الثورة الأولى، وأهدافها في التغيير السلمي والديمقراطية، نحو بناء دولة مدنية تعددية، ونحو النهوض بالوطن وتغليب الانتماء الوطني الجامع على أي انتماء آخر ما دون وطني، طائفي أو أيديولوجي أو عرقي، فسَمت داريا فوق كل هذا العفن التاريخي؛ لتتخذ مكانتها العالية ثوريًا وإنسانيًا، ولتصمد كما لم تصمد مدينة في تاريخ الثورات من قبل.

 

عندما ارتكب النظام مجزرة شنيعة بحقها، وعندما سال الدم ممزوجًا بالعنب في أزقتها وشوارعها، عادت ونهضت، ولم يكن الثأر هدفًا لها، بقدر ما كان انتصار الحق مذهبها.

عندما اقتلع مجرمو العصر حنجرة شهيدها الأجمل غياث مطر، لم يكن همّ داريا إلا أن تزفّ عريسها مكللًا بالشمس، دون أن تنال طلقات البنادق من رمزية الشهيد، ومشيعيه نحو الأرض التي حبلت به لتنجب الحرية.

 

وكما قدمت داريا أنموذجًا سلميًا ناصعًا، قدمت أنموذجًا عسكريًا رائعًا كذلك، فلم تسمح للغرباء بالتدخل، ولم تسمح للأيديولوجيا بأن تدنّس ثورتها، ووضعت أهداف الثورة نصب عينيها وسارت، لم تُرتهن للخارج، ولم تأبه لحجم الدعم، وتشبّثت بالأرض كوتدٍ عظيم يغوص في الأعماق.

 

كانت ثورة داريا المسلحة كما السِلمية، محلية وطنية خالصة، لا تقبل أن تتلوث بإملاءات الخارج، وهذا ما جعلها منيعة حصينة، سقطت على أسوارها جيوشٌ وميلشيات، ولم تُفلح كل عدّة المجرمين بأن تنال من شرفها، ولم تفلح آلاف البراميل التي أحالت بيوتها وبنيتها التحتية إلى رماد بأن تفتّ في عضدها، وبقيت قابضة على جمر الثورة، وجمر حلم الانتصار.

لكن.. وكم هي مؤلمةٌ هذه الـ (لكن)، إذ تخرج غاصةً بالدم والألم، لقد أطبق الحصار على جسد المدينة التي أنهكها صمودها وصمت الآخرين.

 

اليوم تُنكَّس القلوب، وتذوي الأرواح، اليوم تُتركَ الحجارة ويُهجر الركام، وتنام المتاريسُ في غربةٍ مظلمة، اليوم يخرج بضعةُ رجالٍ، هم من كانوا يذودون عن حمى داريا طوال السنوات الخمس السالفة، يخرجون من دارهم بتسوية سلمية مع جيش النظام الذي تكسّر جبروته في حضرة المدينة الأيقونة، اليوم يخرج الفرسان حاملين انتصارهم وهزيمتنا، يخرجون رافعي الجباه، يحملون داريا وثورتها في الدماء، كما خرج ثوار حمص والزبداني ومضايا والقصير وخربة غزالة، بعد أن جاعت بنادقهم وخذلتهم بنادق الأخوة.

الهدف من هذه التسوية كان واضحًا، فقد عكف النظام ومنذ أواخر عام 2012 على استقدام ميليشيات شيعية من لبنان والعراق لتسانده، في محاولة القضاء على الثورة، خاصة في مناطق مثل القصير والسيدة زينب ومعظم محيط مدينة دمشق، والمناطق المحاذية للبنان، في محاولة لتغيير المنطقة ديمغرافيًا، بمباركة أممية مفضوحة، بهدف إفراغ المناطق الثائرة من حواضنها الثورية، وإبدالها بسكان جدد ينتمون إلى طوائف أخرى، يدينون بالولاء له، وما إخراج المدنيين من داريا برفقة ثوارها إلا دليل على اكتمال هذا المشروع الخبيث.

إن التجربة الفريدة التي خاضتها داريا ثوريًا، سلميًا وعسكريًا، كانت التجربة الأكثر نجاحًا، الأكثر تجسيدًا لروح الثورة والمتماهية كُليًا مع شعاراتها المُحقة.

داريا كانت وستبقى تاج الثورة العظيم، والمدرسة التي يجب أن نتعلم منها الكثير، نتعلم منها كيف نهزم الطغاة، وننفخ الروح في طين المستحيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق