أدب وفنون

مقاربة في الولاء الكردي العربي في سورية

(*) ننشر المقال التالي الذي ورد للصحيفة، من منطلق القناعة، بضرورة تقديم كل الرؤى والأفكار التي يحملها السوريون، مع تحفظنا على أسلوب التعميم (جيرون).

 

باستثناء قلّة مُفرطة بقلّتها ضمن شركائنا المثقفين العرب، لا نلمح فيما يُكتب عن الكرد عربيًا، أي نزعة حقوقية منسجمة مع فلسفة الحق تجاه حق الكردي في وجوده السياسي، جلُّه يتأطر في تصوير الكرد كعرق آخر تؤمّن إبادته سلامة عرقية مقابلة، ما يستدعي تنهيج الفبركات التاريخية بجعلها قابلة للحكم على ثقافة الكردي وأرضه وتاريخه، والمؤسسات التي تستقطب ولاء العرب في سورية هي نظائر بعثية وإرهابية دون علية مدنية، لذلك ثمة مباركة لإراقة الدم الكردي مهما كان الثمن.

في الطرف المقابل، يحظى حزب الاتحاد الديمقراطي بانتقادات معظم المثقّفين الكرد. ويتعرّض المثقّف الكردي للتخوين من قبل هذا الحزب كون هذا الأخير لا يملك سوى التخوين في مقابل الكلمة الناقدة. سأفترض أن القلّة العربية هي تلك القلّة الهائلة وفقًا لتعبير شاعر مكسيكي -يستشهد به أوكتافيو باث- لتأسيس موقف رومانسي من الخطاب المأخوذ بتحليل غزو الكرد. ضمن زخم النداءات المطالبة بالإبادة، شحيحة هي العبارات التي تطفو على بِركة الكراهية وتُطالب بوقف التحريض على قتل الكرد.

 

كي يكون الكردي مستقلًا في حقه بأن يكون كرديًا دون أن يستجوبه قاضي التفتيش بـ “لماذا أنت كردي”؛ إذ “ليس للوردة لماذا” كما قال الروماني جولينيوس، فالوردة وردة لأنها وردة -يقتبسها محمود درويش في صيغة معدلة على لسان العصفور داخل المحكمة، أغني لأني أغني- يتوجب عليه أن لا يتماه مع قاتله، أن يضع مرآة حقه في مواجهة الكراهية، ليرى المسخ صورته. إن كانت كرديتي هويتي فعليها أن تكون متخارجة مع الآخر الذي يجعل وجودي ممكنًا بوجوده. حينذاك يمكننا التأسيس لتعالي المواطنة بالمعنى الحقوقي وليس بالمعنى السياسي الصرف. إذ يمكن للتقنيّات السياسية المعاصرة أن تُجرِّد الحقوق من تعينها الإنساني وتكون مجرد طغيان انتخابي. هذه هي ثيمة المادة الثقافية التي يضعها الكردي على طاولة مطالبه.

ضمن المعضلة السورية، وبعيدًا عن نزاع التسميات المتضادة، ثمة كارثة إنسانية لا تكترث بهوية ضحاياها. تنتشلنا جميعنا من ولاءاتنا البدائية لتصهرنا في الإنساني جدًا بالمعنى النيتشوي. فليس للضحايا هوية سوى أجسادهم المنتهكة بأبشع السبل. ضحايا التعذيب في السجون والقصف بالكيماوي والبراميل المتفجرة والابتكارات الوحشية التي تفكك بنية الأجساد العضوية والأخلاقية وترميهم على مدى أبصارنا كوثائق عن لا جدوى القتل وسيادته.

 

يؤسس ما تقدم لطباع جديدة غير مُدرَكة، مماهاة جزئية بين فعل القتل والتعليقات التي تدور في محيطه. يتسرب فعل القتل بكل عاديته إلى مجال الكتابة والتعابير الفيسبوكية التي تمشهد الإجرام كقانون طبيعي. لا يحدث فرق في الكلام حين تتحوّل من شاشة التلفاز إلى الشارع إلى المنصات الإلكترونية. التعبير القطيعي ذاته، ينشد العسكرتارية ليضرب الآخرين هنا وهناك. فصام ثقافي يستمد من نقيضِه رؤيتَه. ومن ثمَّ، تظهر استفهامات ساذجة عن جذور الإجرام سواء في المجموعات الإرهابية أم في النظم القمعية، لإنتاج مشجب يُعلَّق عليه مسؤولية تدرج الإنسان إلى نقيضه الإجرامي.

 

الهوية السورية ملتبسة على العربي مثلما هي ملتبسة على الكردي في سورية. لا يجد العربي في الكردي امتداد لهويته السورية ويطالبه في الآن ذاته بكرديّة سورية. إذن عن ماذا تبحث في هذه المطالبة؟ بينما يُقارب الكردي تاريخه مع الآخر بخطابات الآخرين الكثر الذين أفرزتهم الكارثة السورية كقبائل بدائية جائعة. إذن، بناءً على ماذا ستتأسس الشراكة المفترضة؟ هل سنحتاج إلى قراءة خاطئة للتاريخ لتأسيس أوهام مشتركة فيما بيننا كتقنية ضرورية اقترحها آرنيست رينان لإنتاج بنى هوياتية مؤسسة؟.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق