سورية الآن

دلالات نجاح “” على السياسة التركية الخارجية

بعد سبعين 70 يومًا من مقاتلة قوات “سوريا الديمقراطية” لتنظيم الدولة “داعش” في منبج تمكنت تلك القوات من إخراجها منها، وبعدها أخذ القادة الذين أداروا الهجوم في المدينة الواقعة شمال محافظة حلب، يلمحون إلى أنه سيتم استيعابها في إدارة الحكم الذاتي الكردية، التي أقامها حزب الاتحاد الديمقراطي شمال سوريا، حسبما ذكرت صحيفة التايمز في 18 آب/ أغسطس الحالي.

 

وأشارت الصحيفة إلى احتمال أن يثير هذا الأمر الفزع بين سكان المدينة، وفي تركيا المجاورة التي تعارض بقوة توسع الأحزاب الكردية في شمال سوريا على حساب سكانها الأصليين، سيزيد هذا الأمر من التوتر بين الأحزاب الكردية وفصائل المعارضة السنية في المنطقة، الذين تحالفوا معهم أكثر من مرة ضد داعش، هذه التصريحات لم تثر ردود أفعال لدى الإدارة الأميركية التي وعدت الحكومة التركية بانسحاب تلك القوات من غرب الفرات بعد تحريرها من داعش، ولكنها لم تفعل بالرغم من أن الحكومة التركية صرحت أكثر من مرة بمطالبة أميركا بالتزام تعهداتها لتركيا في هذا الخصوص.

 

هذه المخاطر التي تهدد تركيا، كما تهدد إيران وسوريا والعراق أيضًا، جعلت الحكومة التركية تتخذ قرارها الحازم بإدخال دباباتها إلى الأراضي السورية في جرابلس بعد أربعين يومًا من إفشالها لمحاولة انقلابية غاشمة في تركيا، أطاحت بمئات الجنرالات والضباط الكبار من الجيش التركي، ولكن ذلك لم يكن عائقًا أمام الحكومة التركية أن تتخذ قرارها الحازم بدخول مدينة جرابلس وتغيير الواقع الذي تعمل قوات سوريا الديمقراطية وقوات وحدات حماية الشعب الكرديتين وغيرها من المنظمات والمجالس العسكرية التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا، وبذلك جاء الرد التركي الحازم برفض اغتصاب قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي للأراضي العربية السورية من أهلها بحجة محاربة داعش، ثم محاولة تحويلها إلى مدن وقرى تابعة للإدارة الذاتية لحزب الاتحاد الديمقراطي، بهدف إقامة كيان انفصالي باسم الأكراد يستقل عن الدولة السورية لاحقًا.

 

هذا الموقف التركي سعت فيه الحكومة التركية إلى تحقيق النجاح السريع، ودون إراقة دماء ما أمكن، ودون ضجيج إعلامي ولا مكابرة بالقتال والقتل، ولا إحراج أحد من الدول الكبرى، وبالأخص في يوم زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا في زيارة كانت مقررة مسبقًا، وبالتزامن مع زيارة رئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود بارزاني، الذي يمثل أكبر زعامة سياسية كردية في المنطقة، وضعت يدها بيد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان مطولًا أمام الكاميرات، يوم بدء عملية درع الفرات، لتبث رسالة إلى الأكراد وإلى العالم أجمع بأن التدخل التركي في جرابلس أو منبج أو ما بعدها لن تكون ضد الأكراد، كما يدعي قادة تلك الأحزاب مثل صالح مسلم، أو كما تدعي بعض الصحف ووسائل الإعلام الغربية، فعملية درع الفرات ليست ضد الأكراد، وإنما حماية للشعبين التركي، والعربي السوري، ولذلك كان دور الجيش التركي الإشراف على سيطرة الجيش السوري الحر على جرابلس بالدرجة الأولى، ودعمه العسكري إذا تطلب الأمر ذلك، وهكذا تحقق النجاح السريع في جرابلس، فما انجزته قوات سوريا الديمقراطية خلال سبعين يومًا لإخراج داعش من منبج بدعم الجيش الأميركي أنجزته قوات الجيش السوري الحر خلال أربع عشرة ساعة بدعم الجيش التركي.

 

إن قرار الحكومة التركية بمساعدة الجيش السوري لتحرير جرابلس هو لتأكيد أن الحكومة التركية لن تسمح لأي طرف بان يفرض كيانًا مغتصبًا على حدود تركيا الجنوبية، فالدولة السورية كانت تحكم جرابلس لعقود طويلة، ولم تعارض تركيا حكم الدولة السورية عليها أو غيرها، ولكن أن تحكمها “تنظيمات إرهابية” وتتخذ منها أراضي هجومية ضد تركيا وشعبها، فهذا ما لا تسمح به تركيا، التي لن تقف مكتوفة الأيدي ضد من يبني قواعده العسكرية وكياناته السياسية المغتصبة للأرض السورية، بل ستعمل لمنع ذلك مهما كانت التكلفة، ولا تهدف الحكومة التركية التدخل في سوريا، ولا في الحل السياسي المقبل، فالأمر متروك للشعب السوري في المعارضة والنظام السوري، ولكن تركيا تتدخل لمنع الخطر الذي يحدق بها، وهذا حق دولي لها إذا شعرت بان دولة جارة لها تعد للاعتداء عليها، فهو يعطيها الحق أن تتخذ من الإجراءات من يدفع الخطر عنها ضد تلك الدولة، حتى تتخذ الأمم المتحدة قرار حمايتها والدفاع عنها، فكيف إذا كانت الجهة التي تهدد الأمن القومي التركي «منظمات إرهابية» بإجماع المجتمع الدولي كله، بما فيها أميركا وأوروبا وروسيا والصين وغيرها. فداعش منظمة إرهابية، وقد هاجمت الأراضي السورية مرارًا، وأطلقت على المدن التركية الصواريخ من الأراضي السورية، وكذلك حزب العمال الكردستاني “منظمة إرهابية” باعتراف دول العالم اجمع، وقد قام بتأسيس أحزاب ومنظمات عسكرية “إرهابية” لمقاتلة تركيا وتهديد أمنها القومي والحدودي، وهذا أعطى الحكومة التركية الحق الكامل بمنع هذه الجرائم التي ترتكب بحق الشعب التركي خلال السنوات الماضية.

 

ومن الأدلة على نجاح عملية درع الفرات، اتخاذ أميركا قرار الالتزام للحكومة التركية بالتعهدات السابقة بالانسحاب من غرب الفرات إلى شرقه، وهذا يؤكد صحة اختيار التوقيت التركي لعملية درع الفرات في يوم زيارة نائب الرئيس الأميركي بايدن الذي وجد نفسه أمام قرار تركي أصبح واقعًا سياسيًا وعسكريًا على الأراضي السورية، وجاء في مهمة إصلاح العلاقات التركية الأميركية، لأهميتها الاستراتيجية.
لقد أبلغ وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، نظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، انسحاب مليشيات تنظيم «ب ي د» إلى شرق نهر الفرات في سوريا، في اليوم التالي لنجاح عملية درع الفرات في تحرير جرابلس، لأن أميركا تعلم أن القرار التركي لن ينتهي عند تحرير جرابلس، فالخطر الأكبر للأمن القومي التركي ليس من داعش فقط، وإنما من الأحزاب “الإرهابية” السورية، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي، وميليشياته المسلحة وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، فهذه ميليشيات وأحزاب “إرهابية” حتى لو ادعت تمثيل الأكراد في سوريا كذبا وزورًا، فقد ثبت بوجه قاطع أنها أحزاب مرتزقة عملت لصالح بشار الأسد ثم للحرس الثوري الإيراني ثم لروسيا إبان مرحلة الخلاف الروسي التركي، وأخيرًا عملت لصالح مشاريع وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون بتقسيم سوريا وتشتيت شعبها العربي السني.

 

هذا الانسحاب من غرب الفرات يعني الانسحاب من منبج، التي سيطرت عليها مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي في13 آب/ أغسطس الحالي، سيتم استعادة سيطرت الجيش السوري الحر عليها، وبالتالي عودة سكانها الأصليين إليها فقط، وهكذا فإن القوة العسكرية التركية ستساعد الجيش السوري الحر وقوات فصائل المعارضة السورية على إقامة منطقة آمنة شمال سوريا، وإذا تم ذلك فإن السياسة الخارجية التركية ستكون قد حققت نجاحًا كبيرًا، انتظرته تركيا كثيرًا من المجتمع الدولي ولكنه تلكأ فيه، بينما استطاعت السياسة التركية الخارجية التفاهم مع الأطراف الحقيقية المعنية بالأزمة السورية، وبالأخص الدول المتضررة منها مثل روسيا وإيران والعراق، في أن تتعاون معها في هذه المرحلة، التي أغرقت فيها أميركا آمالها وأحلامها بتقسيم سوريا، وذلك ليكون المدخل التركي هو الخطوة الأولى لإيجاد حل سياسي سلمي في سوريا، يحفظ مصالح الأطراف المتصارعة في سوريا.

 

هذا الحل التركي لن يرضي بعض الدول الغربية التي تسعى لجعل سوريا حفرة موت لشعوب المنطقة المسلمة من العرب والإيرانيين والأتراك والأكراد وغيرها، ولذلك سوف تعزف على حقوق الأكراد، بينما الهدف التركي هو إنقاذ الأكراد من أن يكونوا وقود حروب تخطط لها مراكز المكر الدولي الغربي، بحجة إيجاد تقسيم جديد ينصف الأكراد بعد أن ظلمهم اتفاق سايكس وبيكو قبل قرن من الزمان، ولكن هل انصف سايكس وبيكو غيرهم من قبلهم؟

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق