هموم ثقافية

حمص القديمة تسمعون بها

بين الجغرافيا والتاريخ حلقة وصل اسمها الإنسان، اختيار المكان مسؤوليته، وحوادث التاريخ نتاج عمله، يصنعه، أو يتحمل بصبر وطأة مجرياته، حين تتربص أفعال الغاضبين بنتاجه على مر السنين؛ وحمص مدينة، لطالما تربص بها الغاصبون، وفي كل مرة كانت تنهض مثخنة بالجراح؛ لتعيد بناء ذاتها من جديد.

 

للمدينة قصتها مع جغرافية المكان التي أعطتها هوية خاصة بها، ومنحتها سماتها المعمارية المميزة؛ حمص التي تنتاب الحيرة، من يتجول في شوارعها وأزقتها الضيقة، بينما ترتفع جدران بيوتها البازلتية الصماء على جانبي الطريق، فيتساءل الزائر العابر عن سر اللون القاتم الممتد أمامه على مدّ البصر؛ ثم، لا يلبث أن يهدأ روعه حين تطالعه فسيفساؤها ثنائية اللون.

 

للون الأسود سحره، وهو هوية مدينة شاء سكانها أن تكون هكذا، منذ أن شكلت الجيولوجيا تعرجات الأرض، صخر أرضها البازلت؛ الحجر الذي وسم منازلها بصبغة لونه الخاصة، ولأن أهلها شغوفين بالحياة، أضافوا إلى بيوتهم توشية من حجر الكلس، في أنقى حالاته؛ وللبياض مساحة رحبة في ظل القلب، إنها “أم الحجارة السود”، هكذا خاطبها شاعرها وابنها البار “نسيب عريضة” حين خيبته الغربة:

قلبي يرى فيك المحاسن كلها                      وعلى هواك يدين بالتوحيد

يا حمص يا أم الحجارة السود

 

صورة من الماضي

يؤطر اللون المكان؛ فتطغى هيبة السواد، إنه الحجر الصلد يُقد من هضبة الوعر المجاورة، يقَطّع بهمة وعناية، ثم يُحمَل على جمال تسير على مهل؛ يتقدمها الحدّاء، وهو يردد ألحانه الشجية في موكب، لم يعد له مكان إلا في ذاكرة المعمرين حين يعيدون لتجليات البدايات البسيطة اعتبارها، وحين يصل الموكب ساحة المدينة القديمة ينيخ الركب أحماله، حيث ينتظر البناؤون، تشذيب الحجر وصقله؛ حتى يليق بمدينة ليست كباقي المدن؛ فهي الوحيدة –ربما بين مدن الشام- التي لم تتكفل الحكومات بعمارتها، ولا أولي الأمر منهم، بل توكل أبناؤها بذلك. سيدة ذوقهم هي، موطن سكناهم ومورد رزقهم أيضًا، تكبر مع الأيام سوقًا إثر سوق، ودارًا إثر دار.

 

لمنازلها حكاية سطرها الجمال حين تبنت “المنزل ذو الفناء”؛ ليكون طراز عمارتها، ملبيًا حاجة الروح لفردوس دنيوي منشود، كي تستريح العين في فيء المكان هانئة، وتركن النفس، باحثة عن تجليات الإيمان؛ فهذه الأرض قطعة من بلاد الشام، موطن الرسل والأنبياء؛ منازل رحبة تسع الضيوف والأصدقاء، أبنية بازلتية مزخرفة، تلتف بأناقة وألفة حول فناء واسع، تزهو في ربوعه الأشجار الخيرة المثمرة والشتول العطرة، مكان اعتاد أن يستقبل دهشة الزائرين حين تقع أنظارهم على ترف الجمال.

 

 حكايتها مع التاريخ

حمص، المدينة الأم لتناقضات التاريخ الذي عرفته في رحلتها عبر الزمن، فجيعة النكتة الحاضرة لأناس طيبين، بأحداث عظام، سطرت حكاية المدينة مع ظلم التاريخ؛ ظلم لطالما شرخ قلبها إلى نصفين، أهدت أحدهما لنهرها المتمرد، الذي تحدى الاتجاهات وسافر شمالًا، بينما تسير أنهر سوريا كلها جنوبًا في رحلتها مع جغرافيا المكان، هو “العاصي”، لن يحمل اسمًا آخر، شريان السهل ونبض الحياة فيه، يمضي -في سعيه- شمالًا غير عابئ بعوائق الأرض، البحر غايته وفيه يريد أن يستريح.

 

للمدينة أسماؤها أيضًا، هي “إميسا” أهدت لروما خمس أباطرة عظام، منهم كراكلا و إيلاغابال، توجتهم عظمة الملكة الأم “جوليا دومنا” ابنة حمص، حيث ولدت ثم كبرت كاهنة ورعة في أكبر معابدها، سيدة لم تلبث ان زينت رأسها بتاج أكبر امبراطوريات عصرها، روما أسطورة عصرها، حين أصبح زوجها القائد العسكري “سبتيموس سفيروس” إمبراطورًا لأعتى الممالك. في العاصمة، عملت السيدة الملكة على دمج ثقافة مدينتها مع الثقافة الرومانية؛ حتى ” أصبح نهر العاصي يصب -منذ زمن بعيد- في نهر التيبر” كما صرخ شاعر روما “جوفنال” محتجًا في قصيدته بابل.

 

حين سجل التاريخ احدى تحولاته الكبرى، عرفت المدينة أول كنيسة بناها المتدينون الفارون من الظلم في المئة سنة الأولى للميلاد، وبعد قرون أفشى المكانُ سر قداسته العميق: زنار قديم وأنيق، حاكته بأناملها سيدة العذارى “أم المسيح”، مخبأ بعناية في جرن معمودية حجري قديم، فأصبح للكنيسة، بعد أن ثبت الدليل، أسم جديد “كنيسة أم الزنار”.

شرّعت المدينة أبوابها للمسلمين، حين جاؤوها فاتحين، فامتدت حدودها شمالًا حتى قنسرين وفي كل الاتجاهات؛ لتصبح حاضرة الإمبراطورية الناشئة ومستراح الصحابة؛ يسرد التاريخ حكاية خمسمئة منهم سكنوها ، وأبوا أن يغادروها، فكانت مقبرة “الكتيب”، إلى الشرق من المدينة، شاهد يحمل شواهد قبورهم الحاضرة حتى الآن، وإن منيت بالكثير من النكسات  في أثناء رحلتها مع التاريخ، ودُمرت معالمها وقُتل أهلها، أكثر من مرة، لكنها ظلت المدينة الجلدة التي تنهض من عثراتها، وتعيد بناء ذاتها على أطلال مآسي تاريخها؛ من حملة الخليفة العباسي المتوكل الذي هدم أعظم أوابدها، إلى هجمات روم بيزنطة الذين أحرقوا أكبر أماكنها الدينية، بمن لجأ إليها من السكان على اختلاف مشاربهم وطوائفهم، علاوة على الزلازل التي أصابتها عبر قرن من الزمان ونيف، نامت حمص -إثر نوائبها هذه- ردحًا من الزمن، وغابت أخبارها عن صفحات التاريخ، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين نهضت بقوة، وأصبحت أكبر مصنع ومصدر للمنسوجات الحريرية في الشام. لكن حكايتها مع أكبر قادة المسلمين “خالد بن الوليد”، ظلت، وهي في أحلك أحوالها، تنير سيرتها، فعلى أرضها أمضى القائد الصحابي بقية حياته، وفيها قال كلمته الشهيرة “لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء”، من هذا المكان جابت حسرته الأرجاء، فكان له مدفنه اللائق وجامعه الشهير، ونالت المدينة شرف التكريم “مدينة ابن الوليد”، هكذا يلقبها محبوها الآن، انها حمص المدينة التي تأبى أن تموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق