هموم ثقافية

أعداء الجمال

تمكن النظام السوري من امتهان الجمال في أذهان السوريين؛ حتى الحد الأقصى الممكن بشريًا، ولا أظن أن سوريًا عاقلًا سيتمكن -بعد انتهاء الحرب الدائرة- من استحضار معنًى أو صورة لشيء ما ، تمكن تسميته جميلًا، من دون أن يشعر بالتباس انساني وأخلاقي وفني ووطني، حول طبيعة هذا الشيء أو معناه أو صورته، وفيما اذا كان هذا الشيء -أصلًا- ذا صلة بالاسم المسبغ عليه، أو  قادرًا على انجاز جزء يسير من مهمته الأصيلة: ترك أثر جميل ما في ذهن المتلقي .

 

هذا الابتذال الجمالي له حكاية مديدة  وموجعة، بدأت مع انحدار الحياة السورية في ستينيات القرن الماضي، وتلوث كل ما فيها: الحياة السياسة والإعلامية والثقافية والفنية، وكذلك في الاقتصاد والصناعة والتجارة  والزراعة ومستوى عيش  السوريين، وطبيعة علاقاتهم الاجتماعية، وأفكارهم ومعتقداتهم وأحكامهم القيمية ، وحتى  أحلامهم؛ ما تبقى منها، وبطبيعة الحال لم ينج الجمال من هذه المتتالية التشويهية الممنهجة،  ونحا منحى الانحدار نفسه، بالشدة نفسها، والخبث نفسه، والأثر المؤلم نفسه، الى أن ارتطم بالقاع، بعد انطلاق الثورة السورية قبل خمس سنوات خلت.

 

سابقًا -قبل انتفاضة السوريين- كنا خاضعين جميعًا لهذه التبدلات، ومشاركين في تنفيذها بشكل أو بآخر، وإن كان معظمنا غير واع لخطورتها، نتيجة الخوف والاعتياد والبلادة والغيبوبة الفكرية المطبقة والضخ الاعلامي المتواطئ -بكل ما تعنيه الكلمة من معنى- ضدنا وضد الجمال؛ فالمعدلات الشعبية الهائلة التي حظيت بها أعمال فنية لا تمتلك الحد الأدنى من قياسات الجمال، يشي بحجم الكارثة المهولة التي تعرضت لها ذائقة السوريين الجمالية.

 

تولى تلفزيون النظام وإذاعته سفك حواسنا؛ من منا لا يذكر الحفلات الفنية التي كانت تنقل على الهواء مباشرة في المناسبات “الوطنية” والمهرجانات والأعياد والسحوبات الأسبوعية ليانصيب معرض دمشق، وكيف يتم تحويلها -كلها- الى بازارات موسمية لترويج عديمي الكفاءة والموهبة والمحسوبيات والصفقات!! وكيف مُسخت تلك المسارح التي استضافت عمالقة الغناء والأدب في العالم العربي، مثل فيروز ووديع الصافي ومحمود درويش، في السبعينيات، لتتحول إلى متاريس لأردأ أنواع الدبكة على طراز علي الديك وأخواته، وفي أفضل الحالات “غواني البو قبيس”!! ومن منا لم يكن شاهد عيان على تحول المراكز الثقافية والمكتبات، وكل الأماكن والأشياء والأفكار في سورية، إلى أوكار إضافية لبث الرداءة وتعويدنا عليها.

 

لقد شهد السوريون عشرات الأمثلة على ابتذال المعاني الجميلة، ربما كان أكثرها وضوحًا، استغلال النظام لموسيقى الرحابنة ولأشعار محمود درويش ونزار قباني في سياسته الإعلامية، ومنذ بدء الثورة حتى لحظة كتابتي هذا المقال، ما زالت وسائل إعلام النظام تقتطع أجزاء من أغاني فيروز أو من قصائد لمحمود درويش بصوته، وتلصق عليها مقاطع ومشاهد لجيشه وميليشاته؛ وهم يمارسون وحشيتهم وإجرامهم بحق السوريين؛ إحدى الاذاعات السورية ما زالت تستخدم أغنية فيروز “عندي ثقة فيك”؛ لتلحقها بعبارة: عندي ثقة بالجيش العربي السوري، فأي قيمة جمالية سيبقى لنا نحن -السوريين- بعد اليوم، وأي ثقة سيتم توزيعها علينا بالتساوي ذات يوم؛ كي ننجو من هذا المأزق المشين، وكي لا يحيلنا، حتى صوت فيروز الفريد، الى أحذية ميليشيات النظام، وهي تدوس على جثث المدنيين العزل في البيضا وغيرها من مدن العار والكرامة؟!! ومن هذه الامثلة الحديثة -ايضًا- الحفلتان اللتان قدمتهما أوركسترا ماريينسكي الروسية تحت عنوان “صلاة من أجل تدمر”، الموسيقى تحيي الجدران العتيقة”، وقد نقلها التلفزيون السوري وإذاعاته على الهواء مباشرة، من على خشبة مسرح تدمر الأثري، الذي كان رمزًا  جماليًا قبل هذه الواقعة، وعزفت خلالهما مقطوعات لباخ وبروكوفييف وغيرهما من أعمدة الموسيقا الكلاسيكية، فيما طيران النظامين السوري والروسي، وفي لحظات البث نفسها، يدكان أوكار “الارهابيين” في حلب وإدلب، ويستعدان لحشر عمران الصامت تحت الركام.

 

لا اعتقد، بل أجزم، أن لا أحد من السوريين -بعد اليوم- سيرغب في الاستماع الى الموسيقا الكلاسيكية أو التفكير بزيارة مسرح تدمر ” زنوبيا ” إلا مرغمًا ومغمومًا وباكيًا.

 

لم يبق النظام لنا شيئًا الا وابتذله؛ سرق منا أدنى إمكانية لتمييز الجمال ومعرفته منذ عقود، قبل الثورة وبعدها، وبعد أن تنتهي هذه الحرب ربما  -أقول ربما- سنتمكن من اجتراح معجزة، تقينا هذا الالتباس، وقد نتمكن يومًا من تخيل وردة حمراء في يد عاشقة من دون التفكير بكل تلك الدماء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق