تحقيقات وتقارير سياسية

داريا.. رسائل ثورة

في 25 آب/ أغسطس 2012، اختزنت ذاكرة الثورة مجزرة مروعّة بحق أهالي داريا، وزاد عليها مجزرة لا أخلاقية قام بها من تشفّى بالموت، وبخاصة الإعلام الذي يديره النظام السوري، أو المقرب منه، وقدّ شاهد العالم ذاك التقرير الإخباري المؤلم، الذي تحرّك معدّوه بين الجثث الملقاة على الأرض، لإعطاء المشهد حالة درامية، لتتقدم إحدى المذيعات إلى امرأة تطلق أنفاسها الأخيرة، فتطلب منها تصريحًا لمدح قوات النظام قبل أن تُفارق الحياة، وهكذا يمكن القول إن ما جرى أمام المسجد العمري بدرعا في بداية الثورة آذار/ مارس 2011، قد وُضعت خططه ليتعمّق يومًا بعد يوم، وتتعمّق معه جراح لها علاقة بمفهوم الانتماء إلى تلك المسمّيات التي تشكل بمجملها منظومة الوطن.

 

في 25 آب/ أغسطس 2016، كان نصيب أبواب الذاكرة أن تُشرّع من جديد، لتُكتب على المساحات الصغيرة المتبقيّة من جدرانها، وأيضًا من داريا، قصّة وجعٍ من نوع آخر، جعلت أرواح السوريين في كلّ مكان تئنّ من وطأتها الأخلاقيّة؛ إذ شركاء الأمس في الوطن، جيران الخبز والملح، أصحاب الهويّة ذاتها في جدول قد أطلق عليه (الرقم الوطني)، وبعد أن استبسلوا في التنكّر للخبز والملح، كعادة عربيّة يتغنّى بها الفقير والغني والمتعلّم والأمّي، وبعد أن منعوا الهواء من أن يحمل غبار الملح، وأشعلوا السماء كي تقذف حممًا، عوضًا عن المطر، وقفوا يحصون الراحلين عن بيوتهم بشماتة من نوع آخر، لتُكتب حكاية جديدة تشابهها ما يحب أن يسمعه الشرقيون عن قصّة نبي الله يوسف وشماتة إخوته.

نعم، لم لا تهطل الحمم على داريا عوضًا عن المطر، طالما حمل (غياثها)، ابن المطر، باقة الورد في وجه بندقية الشقيق، فبادره الشقيق باغتيال، وأكرمه سفراء العالم المتحضّر بجنازة، إنها كلمة شقيق؛ حيث العرب يحبون إدراجها في لحمتهم الحميميّة حين تلمّها العاطفة، فيقولون أشقاء الأسرة وأشقاء الوطن والأمة والدين والعادات والتقاليد والأعراف والمصير والضحكات، ولم ينتبهوا إلى أنهم أشقاء النّكبات، قاتلٌ ومقتول، شامتٌ ومترقّب.

 

في آب/ أغسطس، حيث المشهد يشكّل مراياه نحو حمص القديمة والزبداني؛ لتتجمع الحكايات الآثمة بتاريخنا، عندما غادر الأهل بيوتهم تحت أنظار الأشقاء وضحكاتهم، لتتابع المرايا بتشكيل مشهدها بزواياه كمجموعة انعكاسات في قعرها لصور 11 مليون سوري من أنحاء الوطن، نزحوا عن بيوتهم، كأرقام تحمل أرواحًا وتصبح، مع مرور الزمن، كتلك الرّقم الفخارية التي حملت أساطير سوريا.

فمن قضى شهيدًا من السوريين ربما ارتاح من حمل ذاكرته كمرآة، ومن بقي يجترع الرؤيا بكأسها المر فقد تورّمت عيناه لحدود التقيّح.

 

داريا رسائل الثورة في كافة احتمالاتها ترحل الآن مع خلايا أبنائها في اتجاهات الأرض، وهي تخبر أن أكثر من 1370 يومًا من الحصار لا ماء لا غذاء لا دواء، ألقي على أحيائها آلاف البراميل المتفجّرة، وآلاف الصواريخ وقذائف الهاون ولم تنحن، ليكمل الأسد انتشاءه ويشعلها بالنابالم.

سيخبر الديرانيون حكايا ثورة في 2 كيلو متر مربّع من الأرض، كيف قاومت العين مخرزها وتحوّلت هي لمخرز فقأ غرور خمسة قادة حملات، وكسرت غرور جيش بطيرانه الحربي والمروحي ودباباته ومصفّحاته وجنوده وحرسه الجمهوري كرجال نخبة كما يريد أن يسمّيهم، ومعهم غرور حزب الله وقادته.

خرج أهالي داريا وفي نبضهم قصص ثورة، بعضهم نظر بشوارع عاصمته دمشق من نوافذ الحافلات التي أقلّتهم، ليرى الأسواق مكتظة والحياة مستمرّة والضحكات متصاعدة والمطاعم تقدّم وجباتها وأبواق السيارات تشق موجات الهواء، تذكّروا أمعاءهم الخاوية وموجات الهواء التي حملت دخان القذائف، تذكّروا وداعهم لقبور أحبائهم والورود التي حرصوا أن يحيطوها بهم، تذّكروا أن في بيوت السوريين دائمًا هناك قطعة أثاث من مشاغل داريا، وهنالك عنب حرصت أن يحمل حلاوتها، خرجوا بالحافلات يتأملون عاصمة لطالما ارتكت من قاسيون على كتفها، وإذ بقاسيون يقف ليشهد أن للعواصم دورات زمن قد تدخل فيها بحفلات التنكّر، إنها دمشق في حفلة التنكّر لعباءتها، هي حفلة تعقدها لضرورة التاريخ وقسوة الجزار وسكاكين من حوتهم في جنباتها وأطعمتهم، وقد غزوا بيوتها ككل قطعان الجراد حين تصبح كجيوش لا تعرف الأخضر من اليابس، بل تعرف كيف تصبح الأرض يبابًا.

 

خلف الراحلين عن داريا أطلال يبابٌ توشّح بالسواد، ليستقبلهم سوريون آخرون ويخبروهم، أن تاريخ الحضارة المعاصر كلّه أصبح كومة يباب في الأخلاق، وقد خرجت الإنسانية من عباءتها الفضفاضة لنكتشف أننا كنا جميعًا نقضي أيامنا في حفلة تنكريّة اسمها حضارة.

خرج أهل داريا من مدينتهم وامتزج التاريخان معّا، تاريخ مجزرتهم الشهيرة، وتاريخ رحيلهم، فمن ستسعفه الذاكرة بمراياها لتبقى غير مهشّمة عندما تصبح الأمة أشبه بمومياء، وجيران الأمس أصبحوا كثقب ينزّ من كل الاتجاهات.

رسائل ثورة عبَرت في ساعات الرحيل، تخبر الأجيال أن هنالك مدنًا قد تصبح أكبر من العواصم، وإن كانت كومة خراب، لكن الثابت أن السكان تتغيّر والملامح والأسماء تتبدّل، لكن المدن تبقى والأجيال تتنامى لتعيد للعواصم من جديد تاج عزتها، فإن انحنى قاسيون قليلًا، ستخبره تلك الأجيال أن الثورة كانت في نفوس أبنائها كجبال شامخة، وأن المدن لا ترحل بل يرحل المغتصبون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق