قضايا المجتمع

في الإصلاح السياسي والإصلاح الديني: تضافر الفاشيات

يتصدر الإسلام عمومًا، والإسلام السياسي، والجهادي منه، في سورية واجهة المشهد السوري والمنطقة، بعد 6 أعوام تقريبًا من اندلاع الثورة ضد النظام السلالي الحاكم في البلاد.

الإسلاميون كانوا هاجسًا منذ عام 2011، علمًا أنه لم يكن ثمة غول جهادي، يرفع الرايات السوداء آنئذٍ في البلاد؛ فالراية الوحيدة التي ارتفعت في البدايات كانت علم الثورة السورية، يواجهه علمٌ آخر تبدو صورة حافظ الأسد ووريثه جليةً بين سطوره ونجمتيه الخضراوين؛ مع ذلك، كان سدنة الإسلام السياسي جاهزين -دومًا- لمشروع الحاكمية حين تتاح الأحوال الملائمة له، قبل الثورة أو بعدها.

تناوُل الواقعة الإسلامية اليوم، وتمرحُلاتها في سورية، يتم بشكل استسهالي وسطحي في أغلب الأحيان، في دوائر للثقافة والصحافة الغربيّتيَن، وفي أوساط سورية وعربية، مهووسة بالنماذج الغربية وقوالبها الجاهزة العابرة للواقع، وهي أوساط يقدّم لها “داعش” الأرضية الخصبة لنمو أحكام القيمة السريعة، والمطلقة على مجتمعات كثيرة داخل المجتمع السوري، ويعزز فرضياتها التي لاحت منذ البدايات، وهي تزعم التنبؤ بالمآلات الراهنة كقدر لا رادّ له.

قطعًا، لا يمكن، بعد كل ما حصل ويحصل وسيحصل في البلاد، إعطاء الدروس والمواعظ من عَلٍ حول انتظام المجتمع/ المجتمعات السورية قريبًا وفق مفاهيم هي، وعلى الرغم من أحقيتها وضرورة العمل لأجلها، تبدو غطاءً لنمط من الثقافة ونماذج من “المثقفين” تحولت مفاهيم العلمانية وغيرها عندهم إلى أيديولوجيات خلاصية، تستبطن البعث في “رسالته الخالدة”، والأسد بوصفه “المعلّم الأول” والموجه الأول”.

 

سؤال الإصلاح الديني اليوم يبدو راهنًا أكثر من أي وقت سبق، وأكثر بالطبع منه أيام ما عرف بــ “عصر النهضة العربية” بين منتصف القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، من دون أن يعني ذلك ان إصلاحًا دينيًا يلوح في الأفق، أو أي إصلاح آخر غيره: الإصلاح السياسي مثلًا. واستطرادًا، فإن العلاقة الجدلية بين الإصلاح السياسي والإصلاح الديني في المجتمعات الإسلامية، هي مما لا يمكن أن يُنظر، تبعًا لها، إلى أحد الإصلاحين إلا بناءً على الآخر.

 

في أيار/مايو 2011، أي بعد حوالي شهرين من بداية الثورة السورية، كتب الراحل جورج طرابيشي مقالًا يتيمًا ووحيدًا -لا نذْكر أنه كتب غيره عن سورية لاًحقا-، دعا فيه النظام السوري إلى “إصلاح نفسه، بمعنى إلغاء نفسه”.

 

كلام المفكّر السوري في مكانه، بغض النظر عن ندرة انشغاله بالشأن السوري بعد 2011، وعدم تناوله هذا الشأن في نصوص كان يُفترض، لو أنها كُتبت، أن تثير جدلًا في الثقافة السورية على إيقاع الحدث. الإصلاح الوحيد الذي يمكن للنظام السوري أن يقوم به هو الذي يُنهيه كنظام سلالي عائلي مافيوي، ويحوله إلى نظام عادي، ديمقراطي، بقرار منه. الإصلاح هنا هو صنو الإلغاء، وهو يعني بمكان ما: سقوط النظام السوري بقرار منه، وإتاحة السياسة والحيّز العام للسوريين لأول مرة بعد نصف قرن من امتناعه عليهم. ويعني أيضًا توفير الكلفة الباهظة للتغيير والتي دفعها السوريون على يديه منذ أكثر من خمس سنوات من أرواحهم وأجسادهم ودمائهم ومدنهم وعمران تلك المدن.

ليس ثمة تجارب سابقة مع النظام السوري تشير إلى إمكانية أن يقوم بعملية تاريخية كهذه، وأن يصالح شعبه. وربما كانت هذه الاستحالة هي السبب الرئيس في اندلاع الثورة السورية.

الإصلاح السياسي المستحيل في سورية لا بد أن يتيح، لو حدث نظريًا، بداية تشكيل أرضية طبيعية وصحّية في العلاقة بين الإسلام والمجتمع السوري، تنْظمها العلمانية بمعنى تحييد الدين عن الدولة وتحييد الدولة عن الدين، بشكله التعبّدي والإجرائي. العلمانية هنا تختلف عن الدعوات “العلمانوية” التي تقول بــ “عدم قابلية الشعوب العربية للديمقراطية”، بحيث يبدو الصراع مع السلطة صراعًا تحكمه الجينات والمورثات التي لا يمكن أن يتغير حمضها النووي المشبع بالعنف.

راهن وواقع سورية اليوم مستمد من استعصاء الإصلاح السياسي أساسًا، ومن عدم قابلية الطاغية الذي قال: “لا” للمثقفين في ربيع دمشق 2001 لأن يقول: “نعم” للسوريين عام 2011، وأنّى له أن يقولها، وقد اعتاد سماع تلك الــ “نعم” منهم تحت التهديد والوعيد. فإذا ما أضفنا إلى ذلك موروثًا تاريخيًا، دينيًا عمومًا وطائفيًا خصوصًا، لم تنظمه دول وطنية ظهرت بوادرها بعد الاستقلال عن الكولونيالية الغربية، باتت اللوحة السورية اليوم طبيعية جدًا، تبعًا للتأسيس السلطوي لها، والعمل على أن تكون النتائج كما هي اليوم.

 

تنظيرات الإصلاح الديني التي كُتِبت قبل أكثر من قرن، وعلاقتها مع “النهضة العربية الموعودة” لم تعد تصلح للحال العربي اليوم، وهي كتبت في إطار زمني مختلف، وبأدوات مختلفة ودرجة متدنية من التجرؤ على المقدس الديني، الباقي منها اليوم هو “الإصلاح الديني” كمفهوم عمومي يبقى الإسلام من دونه “آلة لتفريخ الانغماسيين في كل مكان من العالم”، وليس في الرقعة الممتدة بين إندونيسيا وموريتانيا فحسب، استنادًا إلى النصوص المؤسِّسة التي لم توضع في سياقها التاريخي بوصفها “ليست صالحة لكل زمان ومكان”، والعمل في إطار مؤسساتي ديني على وقعنة هذا الطرح.

 

الجوهرانية ليست منبوذة دائمًا في التعاطي مع بعض الظواهر على أساس جيني. والإسلام لن يَدخل الإصلاح إلا بعملية تاريخية قسرية، وأي حل من دون الإصلاح في الإسلام يفضي إلى واحدة من جهاديتين:

جهادية إسلامية تنهل من مناهل النصوص المؤسِّسة وتضرب كل من لا يقبل بالحاكمية أينما وجد، وجهادية علمانية تحارب الدين كدين، والمسلمين بوصف التخلف طبعًا قارًا غير قابل للتجاوز، وهذه الجهادية تمهد بدورها لحلول فاشية في نهاية المطاف على طريق استقرار البلاد من دون دين إلا “الدين العلماني”.

عمومًا، الجوهرانية التي تقيّم الظواهر على أساس الجينات، ليست مرفوضة دومًا، ذاك أن الأسدية مثلًا، هي ظاهرة لا يمكن إلا أن تكون الفاشية جزءًا من مورثاتها وجيناتها التي لا تنتهي إلا باجتثاثها، بغض النظر عن إمكانية هذا الاجتثاث أم لا، وما يمكن أن يفتحه هذا الاجتثاث الضروري من سيرورة تحبل بالقباحة واحتمالات التقدم معًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق