تحقيقات وتقارير سياسية

بعد ثلاث سنوات من مجزرة الكيماوي: الجاني مازال طليقًا

خلص تحقيق أجرته الأمم المتحدة، وقامت بنشره قبل يومين؛ إلى أنّ مروحيات عسكرية تابعة للجيش (السّوري النظامي) ألقت غاز الكلور على بلدتين في محافظة إدلب شمال غربي البلّاد، وهي”تلمنس” التي قُصفت بتاريخ 21 نيسان/ أبريل سنة 2014، وبلدة “سرمين” في 16 أذار/ مارس من العام 2015، وأضاف التقرير أن تنظيم (الدولة) استخدم من جهته غاز الخردل في مدينة مارع بمحافظة حلب شمالي سورية في 21 آب/ أغسطس من العام 2015. وهذا التقرير ثمرة تحقيق استمر عامًا، وأحيل إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشته في وقت لاحق.

ثلاث سنوات مرت

قبل ثلاث سنوات، وتحديدًا في 23 آب/ أغسطس 2013. دخلت إلى مدينة دوما، التابعة لغوطة دمشق الشرقية، أي بعد انقضاء 48 ساعة من تعرض مدن وبلدات في الغوطة لهجوم بالسلاح الكيميائي، الذي كان الأول من نوعه في ريف دمشق، منذ بداية الصراع الدائر في سورية.

وصلتُ الى دوما في حدود الساعة العاشرة صباحًا، وقصدتُ مقر مركز توثيق الانتهاكات في سورية، والذي كانت تديره الناشطة والمحامية، رزان زيتونة، حيث كانت منهمكة برفقة أعضاء المركز بتوثيق أسماء ضحايا المجزرةـ، إلا أنهم وعلى الرغم من انشغالهم، زوّدوني بالنقاط والمستشفيات الطبية، وأسماء المناطق التي استهدفتها صواريخ، كانت محمّلة برؤوس سامة وغازات كيماوية.

بدأت جولتي من نقطة طبية ميدانية في دوما، وعند الدخول، طلب مني أحد الممرضين الابتعاد عن بعض الحالات الحرجة، وكان يبدو عليها الهذيان الى درجة الهستيريا، سألت الممرض عن حالتهم الطبية، فأجابني “لقد استنشق المصابون غازات سامة أغلب الظن أنها السارين، وأدى ذلك إلى التهاب مؤلم للقرنية، وصداع وأرق وغثيان وجفاف في الحلق وإسهال ودوخة وعدم اتزان ووذمة رئوية”.

أما سليم، وكان سائق سيارة الإسعاف التابعة للنقطة الطبية، فقد ذكر لي أنّ معظم الكادر الطبي المسعف أصيب؛ لعدم توافر الأقنعة الواقية أثناء قيامهم بعمليات الإخلاء وإجلاء المصابين، وقال: “فجر يوم الأربعاء 21 آب/ أغسطس 2013، سقطت عدة صواريخ محملة برؤوس كيماوية، 6 على زملكا، و3 على عين ترما، وصاروخ على حي جوبر”.

غالبيتهم من النساء والاطفال

وأوضح سليم أن جميع النقاط الطبية والمستشفيات الميدانية استنفرت؛ لإسعاف المرضى والمصابين، وقال: “عندما كنّا نُسعف المصابين، كنا نضطر لترك الجثث والأموات في مكانها. حاولنا قدر الإمكان إسعاف الأحياء فحسب؛ لنتمكن من إنقاذ أكبر عدد من الأرواح، لنبقيهم على قيد الحياة”.

بعد ذلك، قصدت المكتب الطبي الموحد في دوما؛ للحصول على أعداد الضحايا، كان المتحدث الرسمي -حينذاك- الدكتور ماجد أبو علي، والذي أكد لي “أول 6 ساعات بعد وقوع المجزرة مات 600 مصاب بسبب استنشاقهم غازات سامة، بينهم نحو مئة شخص توفّوا بعد أقل من ساعة من القصف، كون حالتهم كانت شديدة وحرجة”، وأشار إلى أن 17 نقطة طبية ميدانية ومستشفى مستنفرة، كانت تعمل في ذلك اليوم في كل مناطق غوطة دمشق الشرقية”.

إحصاءات أعداد المصابين والقتلى ناهزت الـ 10 آلاف مصاب خلال 24 ساعة، بحسب المكتب الطبي الموحد، وبحسب سجلات وبيانات الـ 17 نقطة طبية؛ بلغ عدد القتلى الموثّقين بالاسم 1466 ضحية، أغلبيتهم كانت نساءً وأطفالًا، وكانت هناك جثث في مناطق عين ترما وجوبر وزملكا مطمورة تحت الأنقاض، أو محروقة، أو مُتفسّخة نتيجة القصف الشديد.

عانى الأهالي -آنذاك- من موضوع البحث عن أسرهم بين الضحايا أو الناجين، إذ أُسعفت حالات كثيرة من مدينة زملكا إلى النقاط الطبية في دوما وسقبا وكفر بطنه وحمورية، وظل العديد منهم لا يعرف أين يمكنه العثور على من تبقّى من أهاليهم، إلى أن بحثوا في السجلات الطبية، فمنهم من نجا ومنهم من فُجع بوفاة عائلته.

براد الموتى

توجهت بعدها إلى عنبر المصابين المركزي في مدينة دوما -كبرى بلدات ومدن غوطة دمشق الشرقية- وكان المكان عبارة عن قبو كبير مزدحم بحالات الاختناق جراء استنشاق الغازات السامة، وكان الجميع في حالة من السبات، للوهلة الأولى ظننت أنني داخل إلى براد للموتى، الغالبية العظمى لم تكن تتحرك أو تتكلم، أكثر من مئة شخص كانوا نيامًا، بعض منهم قد يموت في أي لحظة، وكانت هناك أيضًا حالات متوسطة، تم عزلها في جناح مجاور في محاولة لتقديم الإسعافات الخاصة بهم على أمل إنقاذ حياتهم.
لفتني رجل في أوائل الستينيات من عمره، كان جالسًا في زاوية تحدث لي قائلًا: “مات 15 شخصًا من أفراد عائلتي، بينهم إخوتي وأبناء عمومتي، لم أتذكر ما حدث ليلتها، أسعفوني من زملكا إلى النقطة الطبية في دوما، والحمد لله على كل حال، رضيت بقضاء الله وقدره”، بينما قال الدكتور محمد، وكان أحد الأطباء في مشفى حمدان: “إن نقص المعدات الطبية وغياب الأجهزة التخصصية والعجز في تأمين الدواء اللازم لشفاء هكذا حالات؛ ساهم بوفاة عدد أكبر من المصابين من جراء استنشاقهم غازات سامة”، وأوضح الطبيب المتطوع في المستشفى الميداني: “طالبنا جهات محلية ودولية تقديم الجهود المالية والخبرات الطبية؛ لبناء مستشفًى ونقاطًا طبية خاصة لمعالجة المصابين بالسلاح الكيماوي، وتأهيل كوادر لمثل هذه الحالات، ولكن نداءاتنا ذهبت أدراج الرياح، وكنا بأمس الحاجة لمثل هكذا خطوة في هذه الأحوال التي نمر بها”.

فاجعة كبيرة

عند الساعة الواحدة ظهرًا من اليوم نفسه، توجّهت إلى مدينة زملكا التي طالها أكبر عدد من الصواريخ المحملة برؤوس سامة، كما سقطت عليها -في ذاك اليوم- قذائف هاون تحمل موادّ كيماوية وغاز السارين، وأخبرنا مراد، ناشط من تنسيقية زملكا، وكان من بين الناجين من المجزرة، أنّ القصف الشديد الذي استهدف المدينة، بعد منتصف ليل الأربعاء 21 آب/ أغسطس، قائلًا: “كان مختلطًا بين صواريخ وقذائف الهاون”، وأشار إلى أنه “سقطت 6 صواريخ محملة برؤوس مُذخرة بغازات سامة وزهاء 20 قذيفة هاون، كانت أيضًا مُذخرة بمواد كيماوية، سقطت على زملكا لوحدها”.

رافقني مراد الى شارع المقسم بالمدينة، حيث سقط صاروخ مُحمّل برأس سام، وكان لا يزال في مكانه، شدّني مشهد رجل في السبعين من عمره، كان يقف عند زاوية الطريق، يبكي وينوح ويلطم نفسه، ويصرخ بصوت عالٍ؛ بدا عليه الجنون والهذيان، وكان يتمتم كلمات دون وعي من شدّة الكارثة التي حلت بأهل مدينته؛ قال لي مراد إن ابنه الوحيد وزوجته وحفيده الوحيد توفوا جميعًا بعدما استنشقوا هواءً ممزوجًا بالغازات السامة.

كان في زملكا ثلاثة مستشفيات ميدانية تعمل بطاقتها الاستيعابية كاملة، خلال 24 ساعة متواصلة، وفي ذلك اليوم، تعرضت نقطة الطير الطبية للقصف بقذيفة هاون، وتوفي ثلاثة من أعضاء الكادر الطبي فيها.

روت الممرضة أم سعيد، المتطوعة في إحدى المستشفيات، ما تذكّرته في الساعات الأولى من وقوع المجزرة، وتحدثت عن حالة المستشفى الذي عج بالمصابين يومها، وقالت: “لقد وصل عدد المصابين إلى حوالي 500 مصاب، حالتهم حرجة جدًا، كانت تظهر عليهم اختلاجات وهذيان، وكانت حدقة العين دبوسية، مع غياب كامل عن الوعي، كانت فاجعة كبيرة”.

دُفِنوا بمقابر جماعية

كانت الحالات الشديدة، بحسب أم سعيد، في سبات كامل، ويخرج من فمها الزبد الأبيض، وكانوا مهددين بأن يفارقوا الحياة في أي لحظة، وقالت: إن أكثر من 500 شخص من أبناء مدينتها ماتوا ليلتها، ولفتت إلى أن “عوائل كاملة قُتلت، وهي نائمة تحلم بغدٍ أفضل، كانوا جميعًا بلباس النوم”.

آخر مكان قصدته كانت مقبرة زملكا. وقتها، نقل لي من تبقى من أهالي المدينة أنهم دفنوا موتاهم في مقابر جماعية. حفرة صغيرة لا يتجاوز طولها مترين وعرضها متر ونصف؛ دُفن فيها أربع أو خمس أشخاص بجانب بعضهم بعضًا، لُفوا بكفن أبيض، وكُتب رقم فوق جبين كل ميت؛ ليستدل أهله على الجثة بعد دفنها.

يُذكر أخيرًا، أن لجنة التحقيق الأممية في استخدامالسلاح الكيماوي في سورية والمكّلفة من الأمم المتحدة، وصلت إلى الغوطة الشرقية في مثل هذا اليوم صبيحة 28 آب/ أغسطس، ؛ أي: بعد سبعة أيام من وقوع الجريمة، وخلص التقرير الصادر -حينها- إلى ثبوت الواقعة، وأن صواريخ وقذائف كانت تحمل رؤوسًا سامة وغازات كيماوية سقطت على مناطق عدة من غوطة دمشق، دون أن تشير إلى الجاني! وبعد ثلاث سنوات من مجزرة الغوطة الشرقية في دمشق، “يعجز” المجتمع الدولي عن تحديد هُوية الفاعل، ولا يزال المجرم طليقًا!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق