تحقيقات وتقارير سياسية

سورية إلى أين؟ في عيون ثلاثة سوريين (سياسي وحقوقي وكاتب)

في غمرة الحديث عن معارك حلب الأخيرة، والتطورات العسكرية المتسارعة في الشمال السوري، وتزايد دخول الميلشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية على خط الصراع، فضلًا عن القوات الجوية الروسية بعد ذلك، والتحوّل العسكري التركي النوعي في الأيام الأخيرة، يكون قد آن الاوان (إن لم يكن قد فات) لنتساءل جميعًا: سورية إلى أين؟

 

وتأسيسًا على ذلك، وجهت صحيفة (جيرون) لثلاثة من السوريين (حقوقي وسياسي وكاتب)، بعضًا من الأسئلة المهمّة والملحة، بخصوص مستقبل ثورتهم اليتيمة، لاستمزاج آرائهم، وتقييمهم لما يجري في سورية، خاصة بعد معركة حلب، وماذا يتوقعون للبلاد في ظل تفاقم الأزمة، واتساع رقعة الحرب، وتغوّل النظام وحلفائه (روسيا وإيران والمليشيات الشيعية)، وتزايد التداخلات والتلاعبات الخارجية بالثورة، وما الحل الأنسب -في رأيهم- للخروج من هذه الأزمة المشتعلة؟ وكيف يرون شكل سورية المقبلة؟ فكان هذا التحقيق.

 

المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، قال: “أعتقد أن الوضع السوري والشعب السوري -الآن- هو ضحية صراع قوى عالمية من جهة، ومحور توافق دولي إقليمي محلي من جهة أخرى؛ فكما اتضح وكما كنت أتوقع منذ البداية وجود سورية، كدولة ديموقراطية مدنية ناجحة، مسألة ممنوعة من الأطراف كلها، المحلية كالنظام الأسدي الديكتاتوري، والمتطرفين من الاتجاهات القومية والدينية كافة، وهو ممنوع من الجهات الإقليمية كإيران والعراق والأردن ومصر والسعودية وقطر والإمارات، والأهم إسرائيل، وأيضًا، من الجهات الدولية، كروسيا والصين؛ وبالتالي، فإن الشعب السوري يواجه تحالفًا ضخمًا جدًا؛ لمنعه من تحقيق حلمه بالدولة الديمقراطية”.

 

وأشار البني إلى أن الجهات التي -ربما- تكون صاحبة المصلحة بذلك “هي أوروبا وتركيا، ولكن للأسف، فالجهتان تلاحقان مصالحهما السياسية والاقتصادية، وقد صمّتا آذانهما وأغلقتا أعينهما وأفواههما عن الجرائم المرتكبة في سورية، وسكتتا عن المجرم الأكبر وهو النظام السوري، ولم تستطيعا أن يقوما بأي شيء؛ لأن قرارهما مرتبط بالقرار الأميركي، الذي قرر إهمال المنطقة، وتركها لقمة بيد إيران وروسيا، كمكان استنزاف لهما، من جهة، وكـ (كرت مقايضة وضغط) حين يأتي أوانه.

 

ويرى الناشط الحقوقي السوري أنه “بسبب شخصية أوباما المترددة جدًا، بالنسبة للمنطقة، وتركيز اهتمامه على الوضع الداخلي والشرق الأدنى، وكان خلق (داعش)، والتغاضي عن تدخل إيران وحزب الله أولًا، ومن ثم روسيا، فإن الإدارة الأميركية وجدت ذلك سبيلًا ووسيلة؛ لتعقيد الوضع وتركه يتآكل، مع كل ما يكلّف ذلك من دماء السوريين والدمار”، لافتًا إلى أنه لا يعتقد أن الوضع يمكن أن يُحل باتفاق سياسي، على الأقل “ليس بوجود ومشاركة مجرمين كبشار الأسد وزمرته”، وأضاف: “لا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك انتصار عسكري ساحق، لأي طرف على الآخر، والحل الوحيد -في رأيي- هو قرار دولي أممي، أو قيام تحالف دولي بوصف سورية دولة فاشلة، ووضعها تحت الوصاية الدولية عسكريًا وسياسيًا، وإجبار الجميع على وقف القتال، وإبعاد المجرمين وإحالتهم إلى المحاكمة، وإنشاء هيئة حكم انتقالي، يحكمها إعلان دستوري موقت لفترة محددة، أقصاها خمس سنوات، يتم فيها إنجاز دستور جديد، وانتخابات نيابية ورئاسية، وتتم -خلالها- إعادة الإعمار، وعودة المهجرين، ومحاكمة المجرمين، والقصاص منهم لإعادة السلم الأهلي”.

 

وحدة الأراضي السورية أولًا

من جهته، قال القيادي قي المعارضة السورية، نوفل الدواليبي، المنسق العام لحركة الوحدة الوطنية لتحرير سورية، وعضو مؤسس للمحور الوسطي السوري: إن معركة حلب “أظهرت أمرين مهمين: أولهما أن بالوحدة يأتي النصر، وثانيهما أن الوحدة العسكرية، بدون قيادة سياسية وطنية وسيادية وغير محزبة، لا تستطيع أن تُحرز نصرًا نهائيًا؛ فما زال هنالك خلافات بين الفصائل في حلب عن مفهوم الوحدة، ومفهوم القيادة السياسية السيادية الوطنية، هذا لأن عددًا من الفصائل تتبع تعليمات خارجية من داعميها، والتي لا تأتي -بالضرورة- لمصلحة الشعب السوري وطموحاته، وهذا ما نعترض عليه، فإن أرادت أي دولة السلام لها، والسلام في المنطقة؛ فلا بد من الرجوع إلى المحافظة على وحدة الأراضي السورية أولًا، ووحدة القرار السياسي الوطني للثورة السورية، بعيدًا عن أي تحزب أو أيديولوجيا مخربة، وإلا فإن تشقق سورية، وبحسب التأثيرات الخارجية، لن يعود بالخير للسلام في المنطقة، ولا للخير للسلام العالمي؛ لذا فإننا ندعو جميع الفصائل الثورية التوحد، عسكريًا وسياسيًا، تحت قيادة سياسية غير محزبة، وهمها الأول أن يكون القضاء على النظام المجرم الأسدي، وطرد المحتلين، ولن تكون هنالك سيادة سورية بوجود هؤلاء، وبقاء وجودهم حتمًا هو القضاء على طموحات الشعب السوري، لأن فظاعة إجرامهم، يدل عن نياتهم تجاه الشعب السوري، ولن تكون هنالك سيادة سورية بوجود هؤلاء”.

كما دعا الدواليبي الفصائل الثورية، وخاصة “الشباب المخلصين الذين يقدمون أرواحهم في سبيل الوطن، وإنقاذ الوطن، وهو من أسمى الجهاد”، إلى “عدم الانجرار إلى الفتنة الدينية التي أشعلتها بعض أجهزة الاستخبارات الخارجية؛ لكي نقتتل فيما بيننا، ونقضي على أنفسنا بأنفسنا، فنحن لسنا في معركة نشر الدين الإسلامي عند شعب أغلبيته من المسلمين، بل نحن في معركة القضاء على الظلم والإجرام، وإجرام المحتلين بدون حدود، مشددًا على أننا في معركة استعادة وحدة الوطن، وعودة القرار الشعبي السوري الحضاري”، وأضاف: “إنني أعارض الجلوس مع جلادينا، والذين اقترفوا في حقنا أبشع الجرائم ضدّ الإنسانية؛ لأن الجلوس معهم هو الاعتراف بشرعيتهم وبقائهم، فلا جلوس تفاوضي مع هؤلاء من نظام الأسد، أو النظام الروسي المجرم، أو نظام ملالي إيران المجرمين؛ فكلهم أعداء شعبنا”.

 

تكريس معادلة “لا غالب ولا مغلوب”

بدوره رأى الكاتب والمحلل السياسي، عمر قدور، أنه “كما صار واضحًا، استقرت معركة حلب على صيغة فك الحصار، وهي صيغة كانت متوقعة سلفًا، بمعنى أنها تمثّل أيضًا رغبة دولية باستمرار معادلة (لا غالب ولا مغلوب)، على أمل تكريسها في تسوية سياسية مقبلة، بناء على معطيات المعركة نفسها، ورد الفعل الروسي والإيراني عليها، يمكن القول بأن هناك فائضًا من القوة النارية لدى حلفاء النظام، لكنه قادر في المقام الأول على الانتقام من المدنيين. أما تحقيق إنجازات فعلية في ميدان المعركة، فأمر لا يخضع دائمًا لميزان القوة الجوية، بخاصة في معارك الإلتحام المباشر التي يُحيَّد فيها سلاح الجو عمومًا؛ أي أن فعالية سلاح الجو الروسي قد تكون الآن أكبر، بعد استقرار خطوط التماس بين جيش الفتح وقوات النظام وحلفائه”، وتابع محللًا الوضع الراهن: “يبقى أهم ما يميز التدخل الروسي، والإيراني من قبل، عدم وجود إرادة دولية بالتصدي لهما على نحو قوي؛ ما يجعل كافة الإنجازات الروسية لصالح النظام في حكم الهشة وغير المستدامة، بل إن مقارنة بين الزمن الذي استهلكه حلفاء النظام؛ لمحاصرة الجزء المحرر من حلب، والزمن الذي استهلكه جيش الفتح في معركة الحصار يُعدّ فضيحة، بالمعنى العسكري، للطرف الأول، وهنا لا بد من القول بأن كلمة السر في عهدة إدارة أوباما، ولديها القرار السري، بتمكين الروس على نحو نسبي، أو إنزال الهزيمة النهائية بهم وبنظام طهران، ولدى هذه الإدارة -أيضًا- الكلمة السرية في الإبقاء على النظام، أو تغييره بالقوة من خلال تمكين فصائل المعارضة، أو حتى ممارسة ضغط سياسي حقيقي؛ لإجبار حلفائه على تسوية سياسية. على العموم، ومع الأسف، الصراع في سورية، لم يعد داخليًا منذ تدخل حلفاء النظام فيه، وهذا يعني أن الحل لم يعد سوريًا الآن”.

 

وشدد كذلك على أنه “ما لم ينتهِ الجانب الخارجي من الصراع، لن يكون بإمكاننا الحديث عن سورية التي يريدها السوريون، لكن من شبه المؤكد أنها ليست على الصورة السابقة، ولن تكون إلا بعقد جديد بين السوريين، يتضمن إراداتهم الحرة، ضمن حد مقبول من الديمقراطية؛ هذا -على الأقل- ما سيضمن البدء بعملية انتقال شاقة جدًا، ومؤلمة للعديد من أطرافها، لكن لا بديل عنها إلا باستمرار الصراع”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق