تحقيقات وتقارير سياسية

تركيا تغادر مقاعد المتفرجين في سورية

مع تقدم الدبابات التركية إلى شمالي سورية، والسيطرة على مدينة جرابلس الاستراتيجية، والبدء بتوسيع العملية العسكرية لتشمل مدنًا أخرى، تبدأ أنقرة برسم خطوط جديدة لتغيير قواعد اللعبة هناك، سواء كان ذلك بالتوافق مع روسيا أو أميركا، أو بدون رضاهما، بعد أن وصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى نتيجة مفادها: أن اللعبة الإقليمية والدولية في سورية تجري، بدون أخذ المصالح التركية في الحسبان، وبطريقة تشكل تهديدًا وجوديًا للدولة التركية ووحدة أراضيها ونسيجها الاجتماعي، ولم يتردد بالإعلان أن العملية تهدف إلى إنهاء المشكلات على الحدود التركية، وتستهدف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمقاتلين الأكراد، مؤكدًا أن تركيا “لن تسمح بفرض أي أمر واقع في سورية”.

 

كان وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، أكثر وضوحًا في قوله: “إن عملية تطهير بلدة جرابلس في شمالي سورية من عناصر (داعش)، ستكون نقطة تحوّل في المعركة مع التنظيم، وذكر الوزير على حسابه الرسمي على (تويتر)، أن عملية جرابلس “ستُعجّل باستئصال (داعش) من منطقة حلب في سورية، وقال: “لا نريد مكافحة البعوض، هدفنا هو إزالة المستنقع والقضاء على التهديدات ضد تركيا”، ورد رئيس (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي السوري، صالح مسلم، في تغريدة على موقع (تويتر) على هذه التهديدات بقوله “إن تركيا ستخسر في (مستنقع) سورية كتنظيم الدولة”.

لطالما أرادت أنقرة فرض منطقة آمنة في شمالي سورية، لكن أميركا والغرب وروسيا عارضوا التوجه التركي، ولم يكن بإمكان الحكومة التركية معاكسة الجميع دفعة واحدة، ذلك أن فرض منطقة آمنة من طرف واحد، يعني إمكانية الدخول في صراع مباشر مع أكثر من طرف.

من هنا، فإن كلمة السر في القرار التركي بإرسال الدبابات إلى شمالي سورية، يكمن في المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تعرض لها الرئيس أردوغان، والتي كانت تهدف إلى قتله، ووضع تركيا تحت سيطرة الجيش، وهي المحاولة التي اتهم أردوغان الغرب علنًا بتأييدها، وهو ما أيده السفير الأميركي السابق في أنقرة بقوله: “إن واشنطن والعواصم الغربية تكره أردوغان؛ لأنه عنيد ومستقل ويتحداها، ويوجه لها الصفعة تلو الصفعة؛ ولذلك فإن الإطاحة به لن يثير أسى واشنطن ولندن وباريس وبرلين”.

 

فشل هذه المحاولة الانقلابية كانت هدية من السماء للرئيس أردوغان، لأنها أطلقت يده من أجل “تطهير” تركيا من الانقلابيين، ومن عناصر جماعة فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، ومكّنته من “تنظيف” المؤسسة العسكرية من كل العناصر الانقلابية، وإزاحة الجيش من المشهد السياسي تمامًا، ووضعه تحت إمرته، ووضع ومجلس الشورى العسكري تحت إمرة رئيس الوزراء، وإلحاق الدرك بوزير الداخلية، أي: أنه نجح “بقصقصة” أجنحة العسكر الطامحين إلى السلطة دائمًا، كما أن هذه الهدية السماوية منحته القوة والفرصة لطرد كل العناصر “الغولانية” من المؤسسات والوزارات الحكومية؛ وبالتالي، فقد منحته من السلطة والنفوذ الداخلي، ما لا يستطيع أن يشتريه بكل أموال تركيا.

 

على الصعيد الخارجي، هاجم الرئيس أردوغان الغرب، واتهم العواصم الغربية بدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة أو التعاطف معها أو السكوت عنها؛ ما أثار غضبه وغضب كل الأتراك معه، وتوعّد في خطاب ألقاه في خضم المحاولة الانقلابية الفاشلة بأن “قواعد اللعبة” ستتغير، داخل تركيا وخارجها، وكان يعني بذلك سورية على وجه التحديد، وهو تأكيد لما سبق وقاله، في 7 شباط/ فبراير الماضي، بأن ما يحدث في سورية “لا يمكن أن يستمر طويلًا.. الوضع سيتغير في لحظة معينة، ولا نريد أن نكرر في سورية الخطأ ذاته الذي ارتكبناه في العراق، ونحن مستعدون لأي تطور يطرأ على الوضع في سورية”.

 

عشية إطلاق عملية “درع الفرات في 24 آب/ أغسطس، عاد أردوغان لتأكيد أن العملية “تستهدف المنظمات الإرهابية، مثل (داعش)، وحزب العمال الكردستاني، وقوات الحماية الكردية”، وأنها بدأت “لوضع حد للهجمات التي تستهدف تركيا من داخل الأراضي السورية”، ووجه تحذيرًا للميلشيات الكردية وعناصر (داعش)، قائلًا: “عليكم أن تفكروا في مصيركم أنتم”، مؤكدًا أن تركيا، بشعبها وجيشها وشرطتها، ستقف في مواجهة أي عنصر يمثل تهديدًا لها، وتابع: إن تركيا “لن ترضى بالمكيدة التي يُراد تنفيذها في سورية، ولن تقبل بفرض الأمر الواقع. سنستخدم جميع إمكانياتنا لحماية وحدة الأراضي السورية، بما في ذلك تولي الأمر بشكل فعلي في حال الضرورة. نحن مصرون على أن تُدار تلك الدولة السورية بإرادة شعبها”. مشيرًا إلى أن بلاده أبلغت قوات التحالف والولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا، استعدادها لاتخاذ خطوات مشتركة في المنطقة، ونوه إلى أنه لم يعد من الممكن لأحد أن يفكر أو يتصرف، في “المسألة السورية”، بوصفها مستقلة عن الشأن الداخلي التركي؛ لأن ما يحدث في سورية، هو السبب الأساس وراء الهجمات “الإرهابية” التي تتعرض لها تركيا حاليًا، سواء من قبل حزب العمال الكردستاني، أو (داعش)، أو منظمة فتح الله غولن. ورأى أن حل مشكلة الإرهاب، مرتبط بحل أزمتي سورية والعراق.

 

وزير الداخلية التركي، أفكان آلا، كان أول مسؤول تركي يعلق على هذه العملية، وقال: إن جرابلس “ستُطهّر سريعًا من عناصر (داعش)، وأن تركيا لا يمكنها التغاضي عن كون أراضيها مهددة من قبل المنظمات الإرهابية”؛ وهذا ما حدث فعلًا، إذا لم تستغرق عملية السيطرة على مدينة جرابلس سوى بضع ساعات، كما أعلن الجيش التركي أن “الهدف من العملية هو ضمان أمن الحدود، وسلامة أراضي سورية، إلى جانب دعم التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد (داعش).

 

ذهب الرئيس التركي أبعد من الأهداف العسكرية، إلى إجراء نوع من المراجعات التاريخية، قائلًا: إن حكومته قررت ألا تعيد ارتكاب الأخطاء التي ارتكبتها في العراق، عندما رفضت المشاركة في العمليات العسكرية ضد صدام حسين، وترتيب الأوضاع هناك بما يتلاءم مع مصالحها، وهو الأمر الذي حول العراق إلى “ضاحية إيرانية”، أو حديقة خلفية لطهران بحماية أميركية، وبالتالي خسرت تركيا نفوذها هناك.

 

التطبيق العملي للمراجعات التركية انطلق بشكل عملي مع زيارة الرئيس أردوغان إلى موسكو بعد قطيعة دامت تسعة أشهر، إثر إسقاط المقاتلات التركية طائرة عسكرية روسية في سورية، في  تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بل إن بعض وسائل الإعلام كشفت النقاب عن اتفاق تركي – روسي لحل القضية السورية، تؤدي إلى اقامة علاقات طبيعية مع موسكو، والمحافظة على علاقات قوية مع واشنطن والغرب، وحلف الناتو في الوقت نفسه.

 

وذكرت صحيفة لوموند الفرنسية، أن اقتراحًا قدّمه أردوغان للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تضمّن “رحيل الأسد، والبحث عن شخصية “متوافق عليها” لخلافته، يكون مقبولًا من الجميع، وتنظيم انتخابات بدون مشاركة الأسد، وانخراط روسيا وأميركا وتركيا وإيران والسعودية وقطر جديًا في العملية التفاوضية، من أجل إنجاز الحل السياسي للأزمة السوري”.

لكن القضية الأهم -بالنسبة لتركيا- تبقى التخلص من “الصداع الكردي” في سورية وتركيا، والمتمثل بحزب العمال الكردستاني التركي، وذراعه السوري المتمثل بقوات حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات الحماية الكردية، ومنع إقامة أي كيان كردي في سورية، مهما كان الثمن، وهذا ما عبر عنه أردوغان صراحة، عشية ارسال دباباته إلى سورية، عندما قال: “تركيا مصممة على المحافظة على وحدة الأراضي السورية، وإنها ستتولى الأمر بنفسها إذا اقتضى الأمر؛ لحماية وحدة أراضي سورية”.

 

حاولت أنقرة كثيرًا عدم التورط في سورية، إلا أن هذا الأمر صار مستحيلًا مع التطورات على الأرض، وقد صرح وزير الداخلية التركي أفكان آلا، بأن عملية “درع الفرات” ستنتهي سريعًا. ولكن لا يوجد أي ضمانة على نهاية سريعة، فوزير الداخلية نفسه يتابع أن تركيا لها حق مشروع بتنفيذ عملية عسكرية في سورية، وأن “المبادرة التي أقدمنا عليها في المنطقة ستستمر حتى إزالة التهديد الإرهابي الموجود على حدودنا”، مشيرًا إلى أن “تركيا ستضمن أمن حدودها ومواطنيها؛ لذا فإنها تقوم بما يجب، وتأخذ زمام المبادرة، مع وضع الحساسية الدولية في هذا الخصوص في الحسبان”.

 

تكتسب مدينة جرابلس، التي سيطر عليها الجيش الحر، بمساعدة القوات التركية، أهمية استراتيجية، بموقعها الجغرافي على نهر الفرات، وتُشكّل عقدة مواصلات مهمة بين عين العرب (كوباني)، وريف حلب الشمالي، وصولًا إلى منبج والباب والراعي، وتتحكم بالطريق بين شرق نهر الفرات وغربه من الناحية الشمالية، وتعدّ عقدة الوصل بين جهتي النهر، وتُعدّ جرابلس إحدى البوابات الحدودية مع تركيا، وتخشى تركيا أن تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية” الكردية، بما يعدّ ذلك تهديدًا للأمن القومي، فيما تخشى المعارضة السورية أن يسيطر الأكراد على هذه المدينة وغيرها، ما يسمح لهم بوصل مناطق متفرقة أعلنوها فيدرالية، ما يُسهّل عليهم طرح فكرة الانفصال.

 

تأكيدات الرئيس أردوغان أن بلاده لن تسمح، لروسيا وأميركا وإيران، بفرض أي أمر واقع في سورية، أثارت عددًا كبيرًا من ردود الفعل المؤيدة للعملية العسكرية التركية في العواصم الغربية،ـ أبرزها مسارعة الجانب الأميركي، وعلى لسان نائب الرئيس جو بايدن، إلى طمأنة أنقرة، أن واشنطن أبلغت الميليشيات الكردية عدم العبور إلى غرب الفرات، حيث تقع جرابلس، وأن تنسحب إلى شرق النهر، كما دعاها إلى الانسحاب من مدينة منبج، بعد أن كان وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، قد أبلغ نظيره التركي، مولود جاويش أوغلو، قبل ذلك، بأن “وحدات حماية الشعب الكردية السورية تتراجع إلى شرق نهر الفرات”.

 

المغامرة التركية في سورية لا تزال في بدايتها، بعد أن قررت أنقرة أن تكون لاعبًا على الأرض، وعدم الجلوس على مقاعد المتفرجين، أو الداعمين لهذا الطرف أو ذاك من بعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق