مقالات الرأي

مفهوم الأمة حين يساوي مفهوم العنصرية

قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مخاطبًا شعبه: “أنتم أعظم وأقوى أمة في العالم”، وعزا سبب ذلك إلى الدستور الأميركي الذي يساوي بين المواطنين الأميركيين، ذوي الأصول المختلفة والأديان والأعراق والقوميات المتنوعة، وإلى الحرية التي يتمتع بها كل مواطن؛ ما يُوفّر له سبل الإبداع والعيش الرغيد.

وكان أدولف هتلر، زعيم الرايخ الثالث، قد أقنع جماهير ألمانيا بأنهم ينتمون إلى أنقى أمة في العالم بيولوجيًا، وأنهم أصحاب أرقى عقول بين بني البشر، الذين صنفهم على درجات تقترب آخرها من الحيوانات.

 

أما المفكر الفرنسي رينان، فقد قال: إن الأمة “تفترض وجود ماض متصل في الحاضر، وتتلخص بأمر ملموس: إنه التوافق والرغبة الصريحة في مواصلة الحياة المشتركة”، فالأمة في النظرية الفرنسية هي وحدة الماضي ووحدة الإرادة، بينما هي في النظرية الألمانية ما بعد هتلر: وحدة اللغة.

 

إلى ذلك، تُركّز النظرية الماركسية على أهمية الحياة الاقتصادية المشتركة في تعريف الأمة، ولكن أكثر التعريفات شمولاً هي أن الأمة هي جماعة طبيعية من البشر، قادتهم وحدة الجغرافيا والتاريخ والعادات واللغة والتراث الثقافي والروحي، إلى وحدة في الإرادة وفي نمط الحياة والوعي الاجتماعي.

أما في قاموس المعاني العربي، نجد أن الأمة هي “جماعة من البشر تتوافر فيها عناصر القومية، وهي التاريخ، اللغة، العادات، الثقافة، الدين والجغرافيا”، والأمة “ترمز إلى النواحي الثقافية والحضارية للمجموعة الإنسانية.

 

أما جمعية الأمم المتحدة، فتعتمد تعريفًا آخر للأمة، يساوي تعريفها للدولة، فهي “الكيان السياسي والقانوني الذي يثبت وجود شعب يقيم على إقليم معين، يتمتع بسيادة تامة، وله حكومة مستقلة.

وفي تعريف الشريعة الإسلامية، تأتي الأمة على أساس وحدة العقيدة الدينية، فتشمل المسلمين كافة، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم ومواقع أوطانهم، سواء من يعيش منهم في ديار الإسلام، أي داخل الدول الإسلامية، أو من يُقيم خارج حدودها.

 

وفي اليابان، لا يجري الحديث عن أمة، وإنما عن شعب تشكّل من شعوب آسيوية مختلفة، تتبع أديانًا متنوعة، فاليابانيون يدمجون العديد من خصائص الأديان المختلفة بما يُعرف بالتوفيق بين الأديان، يحفظ وحدتهم.

 

بينما لا يزال شمالي إفريقيا يعيش فكرة “الأمة الأمازيغية العظيمة”، التي تعيش في الوطن الواحد، تمازغا شمال إفريقيا، من سيوة حتى الكناري، ومن المتوسط حتى الصحراء.

وفي مصر، لا تزال أصوات مفكرين تؤكد على حقيقة الأمة المصرية بالقول: إن مصر “هي الأمة الوحيدة في المنطقة، أما الباقي فقبائل تحمل أعلامًا”، وفي مصر أيضًا يقود أحد الكهنة القبطيين نشاطًا حثيثًا لتعريف العالم بـ “الأمة القبطية”.

 

ما الهدف من طرح مفهوم الدولة؟

عندما يعتقد المسلمون أنهم خير أمة أُخرجت للناس، ويعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار، وعندما دفع هتلر الشعب الألماني ليؤمن بنقاء عرقه وتفوقه على بقية الأعراق، فإنهم جميعاً يكونون قد أسسوا للفكر العنصري القائم على تقسيم البشر على أساس طبقي، يجلسون على قمته، ويحاولون السيطرة على الطبقات الأدنى وإخضاعها لمشيئتهم.

كل الحروب المُدمّرة التي قضت على ملايين الناس في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وعلى آمالها في التحرر والتقدم والمساواة، كان سببها الأساس هو مفهوم الأمة المتفوقة، وحروب العرب والفرس، ومن قبل حروب اليونان والرومان، ومن بعد الحربين العالميتين: الأولى والثانية، كلها قامت على عنصرية الأمة.

 

وعلى الرغم من أن وثيقة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صيغت بعد الحرب العالمية الأولى، ثم وثيقة منظمة الأمم المتحدة التي توافقت عليها خمسون دولة عام 1945، مع نهاية الحرب الكونية الثانية، نصّتا على حق كل الشعوب في الحرية والمساواة، وعلى أنه لا فرق بين أمة وأخرى، ولا فرد وفرد، بسبب اللون والجنس والعرق وأي أسباب أخرى، فإن النزعة العنصرية لا تزال هي السائدة، وتتمثل بشكل صارخ في مجلس الأمن الذي يمنح خمس دول القدرة على التحكم في مصير العالم.

 

إنَّ تلك النزعة العنصرية هي التي تسبب الحروب والدمار، وتبديد طاقة أغلب البشر وتحطيمها، لتسود الأمم الأقوى على الأمم الأضعف، تحت لافتات نشر الديمقراطية، أو نشر الدين أو محاربة الإرهاب.

إن مفهوم “الأمة العظيمة” أو “الأمة الأفضل” أو “الأمة المختارة من الله”، هو مفهوم خاطئ في مقياس العقل، بل هو مجرد وسيلة للاستحواذ والسيطرة الاقتصادية والسياسية من دولٍ على شعوبٍ أخرى، تنشد الحرية والمساواة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق