اقتصاد

النظام السوري يستخدم الليرة كرصاصة

ما زالت الليرة السورية تتراجع أمام العملات الأخرى، وخاصة الدولار؛ إذ راوح سعر الصرف في آب/ أغسطس الجاري ما بين 510 ليرات للدولار في مطلع الشهر، و555 خلال الأيام القليلة الماضية، بينما كان يراوح في شهر تموز/ يوليو الماضي بين 650 و700 ليرة، وهذا الرقم يُعدّ سعرًا قياسيًا، أدّى إلى ارتفاع كبير في مجمل أسعار المواد الاستهلاكية في أغلب المحافظات السورية، وأدّى -أيضًا- إلى زيادة القلق لدى السوريين في الداخل؛ إذ ينعكس ذلك على حياتهم اليومية بشكل مباشر، كون سقف الدخل لديهم محدودًا؛ بسبب الوضع الذي فرضه النظام، بينما فرص العمل تضيق يومًا بعد يوم.
يحاول النظام بين الحين والآخر التدخل، من خلال ضخ بعض القطع الأجنبي من المصرف المركزي بسوق الصرافة، بغية تحسين سعر الليرة، وينجح لفترة محدودة قد تستمر أيامًا، لكن دائما يتلاشى أثر ذلك سريعًا، لتعود أسعار تداول الليرة أمام العملات للانخفاض من جديد، وغالبًا ما كان يصبّ ضخ تلك الأموال بالسوق في مصلحة حلقةٍ ضيّقةٍ من المنتفعين المحسوبين عليه.
بمتابعة بعض التحليلات الاقتصادية السابقة التي تقدّمها صحافة النظام من جهة، والتقارير التي تقدمّها الصحافة الأخرى البعيدة عن النظام، وبعيدًا عن الدعاية السياسية لإعلام النظام، نجد أن القاسم المشترك بينها، هو عدم الثقة بكل الأرقام التي يتحدث عنها النظام، إن كانت عن الاحتياطي المتوقع بالبنك المركزي، أو عن سعر الصرف الرسمي، مقارنة بالسوق السوداء، أو عن طريق الضخ التي يقوم بها المركزي السوري، والتي تبدو أشبه بحركة مسرحية، غايتها سحب العملات الأجنبية من أيدي بعض التجار أو المواطنين، عن طريقة خدعة في طرح سعر الشراء والمبيع بعد عملية ضخ العملة، فكثيرًا ما تساءل الناس في الشارع عن ترك النظام الليرة تنخفض وتنهار، ثم يتدخّل طالما أنه قادر من خلال مصرفه المركزي على تحسين سعرها.
تراجع الاحتياطي النقدي وانهيار الليرة
عندما أورد البنك الدولي في تقريره خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي، أن احتياطي العملات الموجودة في المصرف المركزي السوري، قد انخفض من 20 مليار دولار قبل الثورة السورية، إلى 700 مليون دولار، لم يُقر النظام بذلك الانهيار، ولم يشرح للسوريين شيئًا عن اقتصادهم المنهار، لكنه اعترف أخيرًا بذلك، عندما قال وزير ماليته، مأمون حمدان، لوكالة (سبوتنيك) الروسية في 20 آب/ أغسطس الجاري: إن “تقارير البنك الدولي صحيحة” وأنها انعكاس للحرب، ولكن لم ينس الوزير التذكير بأن الأسواق مليئة بالمواد الغذائية وغيرها، أي أنه حاول الإيحاء بأن الأسواق لم تتأثر بهذا الانهيار، دون أن يُشير إلى الأسعار المرتفعة جدًا لتلك المواد، والقوّة الشرائية المتدنية للمواطن، وخاصّة محدودي الدخل الذين يأخذون رواتبهم من مؤسسات الدولة التي يمثّلها هو، بصفته وزيرًا للمالية.
في شهر آب/ أغسطس عام 2012، على سبيل المثال، كان سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في حدود 65 ليرة مقابل الدولار، ليصل إلى 280 ليرة للدولار الواحد أواخر آب/ أغسطس 2013، بينما وصل السعر إلى 170 ليرة في آب/ أغسطس 2014، وهذا يُعدّ -من حيث الأرقام- تحسّنًا في قيمة الليرة، ولكن إذا علمنا أن النظام قد ضخ حينها في الأسواق عملة جديدة من فئة 500 ليرة، فإن ذلك سيندرج تحت بند التضخم، وخاصة مع عدم الثقة بالرصيد الاحتياطي لديه، وهذا بدا واضحًا بعد مرور سنة من ذلك التاريخ، أي: في آب/ أغسطس 2015؛ إذ وصل سعر تداول الليرة أمام الدولار إلى 315 ليرة للدولار الواحد، ليصل اليوم إلى أكثر من 550 ليرة، وهنا تمكن الإشارة إلى أن الدولار الواحد كان قبل الثورة في 2011 في حدود 50 ليرة سورية، أي أن انخفاض قيمة الليرة بالنسبة للدولار، كان بنسبة 1150 إلى 1200 بالمئة خلال خمس سنوات ونصف.
عجلة الاقتصاد التي توقفت بسبب الحرب
غياب الإحصاءات السليمة من مؤسسات الدولة، لا يسمح بإعطاء صورة عن ميزانيتها العامة ورصيد مصرفها المركزي، وقد اعتمد النظام دائمًا على التلاعب بالإحصاءات، لأجل تغطية ممارساته كسلطة سياسية خلال العقود السابقة، ويمكن القول إن علاقات الارتزاق من الاستثمار الاقتصادي وصفقات التجارة بكافة أنواعها، والمشاريع العقارية التي كانت تحاول السلطة السياسية تبيانها للرأي العام، على أنها نمو اقتصادي، وأيضًا عقود الاستيراد والتصدير المبرمة، وغير ذلك كثير، بما فيها تجارة النفط ومشتقاته، كل تلك العقود كانت حكرًا على المحظيين من تابعية النظام، بطريقة نفعية لأفراد أو مؤسسات تخصّهم، وليست ضمن أداء اقتصادي لدولة.

كانت عجلة الاقتصاد السوري -بشكل عام- تستند إلى المنتجات الزراعية، وبعض عمليات تصدير بعض المحاصيل والصناعات الاستهلاكية البسيطة، والترانزيت وبعض السياحة، وعلى النفط الذي حتى اللحظة ما زال لغزًا بالنسبة للسوريين؛ لارتباطه بالقصر الجمهوري، وكل ذلك توقف أو تراجع، وبالنسبة للنفط انتقل جزء كبير منه أخيرًا لسيطرة تنظيم الدولة (داعش)؛ لوجود عدّة آبار في مناطق سيطرتها، وهي تجارة رابحة للجانبين؛ لتلبية متطلبات جزء من حربهما على الشعب السوري، وبجميع الأحوال، فإن النظام الذي لا يسيطر على معابر الحدود الأساسية والمهمة سوى مع لبنان، ولبنان دولة -بالأساس- لا يمكن الاعتماد على استهلاكها، ولا على العبور من خلالها؛ بسبب الجغرافيا، فإن النظام نتيجة لذلك يُعدّ محاصرًا اقتصاديًا؛ لعدم قدرته على تأمين خط بري، بينما الملاحة الجوية في أضعف مستوياتها، وإنّ ضخ المال الإيراني بخزنة مصرف سورية المركزي، والذي لا يمكن تقدير حجمه، هو بالأساس يُصرف كرواتب ومكافآت للجنود، ولميليشيات المرتزقة التابعة للنظام، وأيضًا كمصاريف لآليات وتنقلات وطعام وتعويضات مختلفة، تتبع كلّها متطلبات حرب النظام على شعبه.

لا يمكن إعادة الثقة بالليرة السورية في الوضع الراهن، فانهيارها مرادف لانهيار النظام وحصيلة طبيعية له، ومع أن النظام ارتاح مبكرًا من المدفوعات والصرف على الخدمات لمناطق واسعة؛ بسبب خروجها عن سيطرته، وأيضًا بسبب ملايين النازحين والمهجّرين الذين ارتاح أيضًا من تقديم خدمات لهم، وتوقيفه لرواتب الآلاف من الموظفين تبعًا لذلك، إلّا أنه لم يستطع الإمساك باقتصاده، كونه -بالأساس- يتعامل مع مكوّنات الدولة المادية والمعنوية، كحالة استثمار عائلي، وعلى هذا نَظر إلى الليرة السورية كأداة حرب بيده، تمامًا كما نظر وخطط لاستنزاف اقتصاد الأسرة البسيط الذي اعتاد المجتمع أن يسند نفسه به لتمرير أيامه، وتمامًا كما اعتمد أسلوب الحصار والتجويع للمدن والمناطق، والمتاجرة بالغذاء والدواء، فإن الليرة السورية بالنسبة له تشبه الرصاصة التي يمكن أن تقتل، وليست الوسيلة التي يمكن أن ترفع من كرامة وطن ومواطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق