أدب وفنون

رحلة الى قبور ثلاثة شعراء برفقة رياض الصالح الحسين

صدر -منذ أيا عن دار الجداول في  بيروت،­­ كتاب (رحلة إلى قبور ثلاثة شعراء) هم على التوالي: (أرثر رامبو- فرانز كافكا- فرناردو بيسو)

والمثير في الأمر أن هذه الرحلة “الروحية”، قام بها الكاتب برفقة شاعر سوري توفي منذ خمسة وثلاثين عامًا، إنه رياض الصالح الحسين!

“في كل مرة كان يستعصي عليَّ شرح شيء من “الروح السورية” كما أراها وأحسها، كان رياض الصالح الحسين يأتي؛ ليلخص ما أريد إيصاله، بصورة تسحرني؛ فالروح السورية لم يتم توثيقها أو الغوص فيها، وينكر كثيرون وجودها، حتى جاءت الثورة السورية، فاكتشف السوريون -لأول مرة- ماذا تعني هذه الروح”.

 

هي رحلة وفاء للشعر، وتبجيل واحترام للشعراء، نتعرف فيها أرواح المدن، من خلال شعرائها الذين سكنوها وسكنتهم. وهي احتفاء بالشعر كفعل حياة، وهي فاتحة من الدهشة، يصحبنا معها فادي عزام، حاملًا في جعبته ديوان رياض الصالح الحسين، لزيارة أضرحة ثلاثة من الشعراء الكبار:
آرثر رامبو – شارفيل – فرنسا، فرانز كافكا – براغ – تشيكيا، وفرناندو بيسووا – لشبونة – البرتغال.

إنها رحلة حقيقية فعلية إلى الأماكن التي يرقد فيها المبدعون إلى الأبد؛ حيث تبدو المقابر أكثر شاعرية من صالات الأفراح، وهي رد جميلٍ للكتب الساحرة التي عاش الكاتب معها وفيًّا لها، فعاشت معه، وجعلته يحيًا كما أراد دائمًا أن يكون؛ حرًا طليقًا. رحلة استغرقت خمسة عشر يومًا، يرافقه فيها شاعر جدير بأن يكون رفيقًا وصديقًا، مسّ شعره الفؤاد؛ فأراد الكاتب تكريم أصدقائه الشعراء بأن يقرأ -على ضريح كل واحد منهم- بعضًا من شعر رياض الصالح الحسين، الذي يرقد في مارع، بينما يجول شعره شتى البلدان، حاملًا الوجد الخالص والحب الناصع والروح المتمردة: “بسيط كالماء.. حار كالجمرة.. واضح كطلقة مسدس”

 

يستهل الكاتب رحلته بوصايا السفر؛ لزيارة روح المدن لا أجسادها، فيوصي قرّاءه أن يستيقظوا قبل شمسها؛ لمشاهدة شروقها، واعتلاء أعلى قممها؛ لمراقبة تلاشي غروبها، والتجول فيها بلا خرائط ولا دليل؛ لتذوق موسيقاها، والاحتفاظ بروائحها، والبحث عن شعرائها، ومشاهدة مجنون من مجانينها، والتعرف على قدّيسها الحامي، وزيارة ضريح شاعرها الأهم، وتكريمه بإنشاد الشعر الجميل الذي يوافق مقتضى الحال هنا لا سواه.

 

 

الفصل الأول: رحلة إلى فرنسا، حيث يرقد آرثر رامبو في شارفيل هادئًا بعد صخب، ساكنًا بعد تمرد؛ آرثر رامبو الذي عجزت باريس عن ترويضه، وظل يحمل تلك اللمعة في عينيه، والابتسامة المغموسة بالسخرية على شفتيه يجلد شعراء عصره:

“سلحة طير بحري تساوي كل الزهور المبثوثة في قصائدكم

حبذا لو فعلتم ما هو نافع

اكتبوا شيئًا عن آفة البطاطا”..

بدأ رامبو كتابة الشعر في السادسة عشرة، وتوقف عن الكتابة قبل أن يبلغ الحادية والعشرين، ومات قبل أن يكمل السابعة والثلاثين من عمره. كان همه أن تصبح اللغة في متناول الحواس:
“اخترعت ألوانًا للحروف المتحركة

فالألف سوداء، والواو زرقاء، والياء حمراء

وسوّيت أشكال الحروف الصامتة، وحرّكتها بإيقاعات غريزية

تباهيت بابتكار لغة شعرية ستصبح يومًا في متناول جميع الحواس”.

منه استمد فادي تعلم اللغة لحسًا في سرمدا، وتذوّقها لذةً بلسانه، وعلى قبره وقف، وأنشد من شعر رياض الصالح الحسين:

“كنجمة في السماء، كوعل في الغابة

أمامي الكثير لأعطيه وخلفي الكثير للمقابر…

وها أنذا أمشي وأمشي متألقًا كنجمة في السماء

وحُرًّا كوعل في الغابة……”

رامبو الذي كُتب في سيرته أكثر من ثلاثمئة كتاب فقد ساقه قبل موته:

“لا تسمحوا لهم أن يبتروا سيقانكم، ودعوا أجسادكم تتحطم، تنفلق إلى قسمين، تتمزق قطعًا، لكن لا تدعوهم يبترون سيقانكم.”

رامبو -الآن- يرقد في قبره وساقه خارج القبر. إنه ما زال يمشي…

 

الفصل الثاني: رحلة إلى براغ للبحث عن فرانز كافكا الذي يقول:

“لهذه الطفلة براغ مخالب من الصعب أن ينتزع المرء نفسه منها”

كانت مهمته أن يقرأ بعض قصائد رياض على قبر كافكا، ويُودِع القبرَ رسالة خاصة ويمضي، لكن الزيارة تأجلت لليوم التالي، فمضى فادي برفقته للتعرف على براغ عبر الشاعر فلاديمر هولان المتوفى 1980، والذي يعد الملهم لروح ربيع براغ، والشريك الحقيقي في فعل التنفس الثمين في المدينة الذهبية، رجل بثلاثة قلوب، وهو من قال:

“إن ألمك الخاص وألم غيرك يلدان لك قلبًا ثالثًا”.

 

براغ مدينة السحر والأساطير، قلب أوروبا الحي، بها نمضي برفقة الكاتب عبر انسياب الكلمات وشعرية النص. إنها الشاعرية الملهمة للإنسان في كل زمان ومكان؛ حيث يتحول نزق الشباب إلى دفقات من دهشة لا تنتهي، ومع كافكا نغوص إلى أعماق الإنسان وعوالمه الجوانية المستعصية على القول من حيث ينبع الشعر؛ إذ يقول كافكا:

“وإني لأحبك بالفعل، أنت أيتها الحمقاء، كما يحب البحر حصاه التي في أعماقه”.

 

كافكا الكاتب التشيكي الذي كتب بالألمانية، فاحتفت به البشرية جمعاء، وأساء فهمه كثير من العرب الذين عانوا من نفاد الصبر وعن نفاد الصبر، يقول كافكا: “لعل هناك خطيئة رئيسة وحيدة هي نفاد الصبر، فبسببه طردنا من الجنة، وبسببه لا يسعنا أن نعود إليها”. عندما كان كافكا يكتب (المسخ)، ويصور تحول الإنسان إلى حشرة، كانت الحرب العالمية تنتظر على الأبواب؛ لتحول أوروبا إلى مسخ أعمى يدمر نفسه. “ليس من الضروري أن تقبل كل شيء على أنه صحيح، بل ينبغي أن تقبله فقط لأنه ضروري”.

 

وييرر كافكا سبب رغبته بإحراق كل ما كتب في مذكراته: “إن جميع الأشياء التي تخطر على بالي لا تأتي انطلاقًا من الجذر، إنما من مكان في الوسط”. ولكن رغبته لم تتحقق؛ وعلى قبره أنشد فادي شعر رياض الصالح الحسين:

“الرجل قد مات.. الخنجر في القلب والابتسامة بين الشفتين

الرجل مات.. الرجل يتنزه في قبره”.
الفصل الثالث: من براغ إلى لشبونة (فرناندو بيسوا) الذي ولد 1888 ومات 1935.
البرتغال أرض البرتقال، وأول ما نصغي إليه فيها الفادو، أو اللحن الحزين الذي يحوّل الحزن المتراكم إلى موسيقا، ولشبونة تحتفي بشاعرها وفيلسوفها، كواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، وأهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين؛ وقد أفرد له انطونيو سارماغو رواية كاملة تحمل عنوان “سنة موت ريكاردو ريس”، تتضمن الشعراء الذين ابتكرهم بيسوا، وهم يطاردونه، وبيسوا شاعر فيلسوف مرهف الحس يقول:

“أحس أن لي قيمة لأنني ولدت فقط لأصغي إلى هبوب الريح.” ويقول -أيضًا- “لو أرادوا كتابة سيرتي بعد موتي، فليس ثمة ما هو أسهل، يوجد يومان: يوم ميلادي، ويوم وفاتي، وكل ما بينهما من أيام لا يخصّ أحدًا سواي”

لكن أنطونيو تابوكي الإيطالي كتب: “هذيان.. أيام فرناندو بيسوا الثلاثة الأخيرة”؛ إذ يقوم الشّعراء الذين خلقهم بيسوا بالتّوافد إليه لزيارته ومحاورته ووداعه. نعم، لقد كتب بيسوا باسم اثنين وسبعين شاعرًا مختلفًا، لأن ساذجًا سأله يومًا: من أنت؟

يقول بيسوا “لا ينبغي على أي أحد أن يترك وراءه عشرين كتابًا، وإذا كان قادرًا على الكتابة مثل عشرين من الأشخاص المختلفين، فهم يكونون عشرين من المختلفين.”

على قبره وقف فادي عزام وقرأ من شعر رياض الصالح الحسين:

“للحب والحرية كنا نغني.. نحن الحطابين الأشرار.. نكتب أسئلة فوق ضروع الأشجار”

يودع الكاتب لشبونة، المدينة التي تتوزع على سبعة تلال، في كل تل حصن وقلعة؛ إنها من المدن المثيرة لشهية الحب.

نعم يحق للشعراء ما لا يحق لغيرهم، فهم يهيمون ليقطعوا نرجس الكلام من حواف الوديان السحيقة، يحطبون الأشجار العالية بمناجل الغيب، يقطبون أفواه جحيم العاطفة بخيوط من ضوء بكر، كان الكاتب يحلم أن يعود إلى حلب، ويتجه إلى مارع، حيث يرقد رياض الصالح الحسين، ليحكي له عن رحلته، ويقص عليه ما حدث، وينقل له محبة الشعراء والمدن له، لكن الحرب والخيبة والأعلام السوداء التي سيطرت على المدينة، منعت الكاتب من الدخول إليها، وكاد يموت! منعوه حتى من التفكير بوضع وردة على قبر رياض الصالح الحسين، فحمله في صدره، ورحل برفقته إلى ثلاثة قبور لثلاثة من كبار شعراء العالم المسكونين بالحرية…

 

الجدير بالذكر أن الكتاب يقع في 240 صفحة، وقد صمم غلافه الفنان السوري تمام عزام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق