ترجمات

روسيا وإيران: زواج مصلحة، وليس تحالفًا إستراتيجيًا

في رده على تكهنات، حول إمكانية تدخل روسيا لوقف انهيار هياكل الدولة السورية، في حرب كانت مستعرة –وقتذاك- لمدة تزيد على ثلاث سنوات، أوضح وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، وبشدة، موقف بلاده، في شهر شباط/ فبراير، عام 2013، حيث قال: “لن نقاتل من أجل مواقفنا […] ونخلق “أفغانستان أخرى” لأنفسنا. أبدًا، ولا تحت أي ظرف من الظروف!”.

وحتى عندما بدأت روسيا ضرباتها الجوية، في أيلول/ سبتمبر 2015، لدعم قوات الجيش السوري، وكان أول انتشار عسكريّ لها في الشرق الأوسط، منذ التدخل السوفيتي المشؤوم في أفغانستان، في ثمانينات القرن الماضي، كانت روسيا تصر -دومًا- على أنها حملة جوية محدودة، وبعد خمسة شهور من بدء حملة القصف، في شهر آذار/ مارس، أعلنت موسكو تخفيض وجودها العسكري في سورية.

وكان استخدام روسيا لقاعدة نوجي الجوية، بالقرب من همدان في غرب إيران، في شهر آب/ أغسطس، مفاجأة للعديد من المراقبين الذين رأوا فيه، خروجًا عن سياسة إيران المعتادة للعمليات السرية في الصراعات الإقليمية، كما كان مفاجئًا أيضًا، نظرًا إلى حساسية طهران عندما يتعلق الأمر بالتعديات المُتصوَّرة على السيادة الإيرانية. وبعد أسبوع واحد فقط، أعلنت إيران أن الوضع قد انتهى في الوقت الراهن –على الرغم من أن إيران لا تستبعد استخدام روسيا القاعدة الجوية مجدّدًا، وذلك يتبع لـ “الوضع في المنطقة، وبعد الحصول على إذننا”.

وفي مؤتمر ميونخ الأمني، في شباط/ فبراير 2016، وضّح رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، دوافع روسيا في دعم نظام الأسد: “يجب أن نحافظ على سورية دولة موحدة، ونمنع تفككها […] لن يتحمل العالم ليبيا أخرى، أو يمنًا، أو أفغانستان أخرى”. وعلى الصعيد الإقليمي، تعتقد روسيا أن الفراغ سيملؤه الإسلامويين المتشددين، ما يشكل هاجسًا أمنيًا على الحدود الجنوبية لروسيا.

إن تغيير النظام الذي تفرضه قوى خارجية على سورية، سيناريو ترغب روسيا تجنبه بأي ثمن؛ إذ ترى روسيا أن نتيجة تدخل حلف الشمال الأطلسي في ليبيا، درس يُستفاد منه في مسألة محاولة القوى الخارجية فرض تغيير نظام، وكما نوَّه لافروف بحدة، قائلًا: “من خلال تحريف التفويض الموكل إليه من جانب مجلس الأمن الدولي، لتأمين منطقة حظر للطيران، تدخل حلف الشمال الأطلسي –ببساطة- في الحرب، تحت راية حماية السكان المدنيين”.

ولم تكن روسيا ترى في التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في ليبيا، “قيادة من الخلف” لواشنطن، كما أصر الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، وإنما مثالًا لاتباع البيت الأبيض السياسة الخارجية السعودية، كما كتب ديمتري ترينين.

 

وسائل مشتركة، وغايات مختلفة

على الساحة الدولية، تعد روسيا وإيران الداعمتين العلنيتين، والأكثر جرأة، لنظام الأسد، على الرغم من اختلاف دوافع كل منهما؛ ففي حين ترى روسيا ضرورة تعزيز حكومة علمانية، للمحافظة -بشكل غير مباشر- على النفوذ الروسي في المنطقة، واحتواء القوة الأميركية، ترى إيران ضرورة دعم نظام علوي، قد يؤدي سقوطه إلى تعقيد الوصول الإيراني إلى بلاد الشام، عن طريق حزب الله.

تختلف الغايات، ولكن الوسائل تسمح بتقارب مصالح جغرافية-سياسية بين روسيا وإيران؛ فإطلاق روسيا صواريخ كروز من بحر قزوين، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، لم يكن ليتحقق، على سبيل المثال، لولا سماح إيران باستخدام مجالها الجوي. وبعد لقاء رسمي بين بوتين والمرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أكد مسؤولون إيرانيون سياسة إيران، في تنسيق موقفها مع الموقف الروسي. تأكيد أتى، بعد أن كان القصف الجوي الروسي قد دخل –بالفعل- شهره الثاني.

ويحقق التدخل المتزايد لروسيا في سورية، أهدافًا أخرى: إذ أجبر الرئيس الأميركي للدخول في حوار مع بوتين، على الرغم من نية أوباما عزل روسيا، تبعًا لسياستها في أوكرانيا. وكان ينبغي أن يُفهم من كلمة بوتين، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيلول/سبتمبر 2015، والتي أشار فيها إلى تحالف دوليّ لمكافحة الدولة الإسلامية (داعش)، أنها تمهيد لإعادة اندماج روسيا في آليات التشاور الدولية.

وعلى الصعيد العملي، فإن القوات المناهضة للأسد، التي تقودها أميركا، في حاجة إلى تجنب التصادم مع الطائرات الروسية، العاملة في المجال الجوي السوري، وبالنسبة إلى البيت الأبيض، فقد أصبحت المشاورات مع موسكو أمرًا ضروريًا، بقدر ما كانت [ضرورية] المحادثات الروسية-الأمريكية حول تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، عام 2013.

إن وقف روسيا تصعيد عملياتها في سورية، والذي أُعلن في اجتماع منسق بعناية، بين بوتين ولافروف، ووزير الدفاع سيرغي شويغو، بعد خمسة شهور من بدء حملة القصف، يعطي انطباعًا بعملية جراحية، أُنهيت بطريقة منظمة، لكنه كان انسحابًا جزئيًّا؛ فقاعدتا طرطوس وحميميم، تابعتا العمل، الأمر الذي يسمح بدرجة من الغموض المواتي سياسيًا.

 

تحالف مضطرب

إن استخدام روسيا لقاعدة جوية إيرانية، امتداد منطقي لتحالفها التكتيكي مع إيران؛ فإن زمن تحليق الطائرات من إيران إلى سورية، أقصر بكثير من انطلاقها من جنوب روسيا، وبالتالي، فإنه الخيار الأمثل، في ما لو استثنينا إعادة استخدام قاعدة حميميم، في سورية نفسها. وقد تكون القيمة العسكرية المضافة ضئيلة جدًا، لكن الآثار المترتبة على السياسة الإقليمية هائلة.

ومع ذلك، فمن المهم أن نتذكر، أن علاقة إيران وروسيا أبعد ما تكون عن علاقة الحلفاء التقليديين؛ فعدم الثقة المتبادل بينهما، وُضع جانبًا] -بشكل موقت فقط- للتعاون في قضية محددة حول سورية. وحقيقة أن روسيا توقفت عن استخدام قاعدة نوجي الجوية، بعد أسبوع واحد فقط، تؤكد الطبيعة الموقتة، والانتقائية، للتعاون الروسي-الإيراني، وكما قال وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان: “لم يأتِ الروس ليبقوا إلى الأبد”. ولم تكن إيران سعيدة، ولا سيما بالتباهي الروسي العلني، حول استخدام القاعدة الجوية؛ فلطالما كان وجود قوى أجنبية في طهران قضية شائكة، سواء من الناحية التاريخية، أم الدستورية.

بالنسبة إلى روسيا، يشكل التعاون مع إيران زواج مصلحة، أكثر منه تحالفًا إستراتيجيًا حقيقيًا، أما بالنسبة إلى إيران، فإن سماحها للروس بالعمل من أراضيها، أمر استثنائي، نظرًا إلى استياء طهران، منذ زمن، بشأن الاحتلال الروسي لأجزاء من إيران. وقد أتى قرار السماح للطائرات الروسية بالانطلاق من إيران، بعد أنباء عن كسر “الثوار” الحصار في حلب، في تعاون روسي-إيراني لوجستي أوثق، يشير إلى جهد مستعجل، لقتال القوات المناوئة للأسد.

وهنا، تلتقي واقعية إيران بذرائعية روسيا؛ فالدوافع الروسية والإيرانية مختلفة بشأن سورية، لكن الوسائل أصبحت متناغمة. وقد يكون توقف الاستخدام الروسي –الموقت- للقاعدة الإيرانية، متعلقًا بنُهُج مختلفة للدبلوماسية العامة، أكثر من تعلقه بالخلافات التشغيلية، إلا أن حقيقة أنه حدث أصلًا، أثارت –بالتأكيد- تساؤلات في الرياض، وأنقرة، وواشنطن.

 

موريتز بيبر، محاضر في العلاقات الدولية في جامعة سالفورد.

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية RUSSIA AND IRAN’S MARRIAGE OF CONVENIENCE IS NO STRATEGIC ALLIANCE
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية موريتز بيبر Moritz Pieper
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي The Conversation
(Why has Russia been flying airstrikes over Syria from an Iranian airbase
مكان النشر الثاني Newsweek
تاريخ النشر  24 آب/ أغسطس 2016
رابط المادة
اسم المترجم فاتن شمس

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق