هموم ثقافية

“لست موهوبًا بالتمثيل، ولا دور للمثقف في هذه الحرب”

“وأنا أكتب إجابتي لكم، ثمة طفل أرهقني، وهو يصرخ على آخر بشكل مزعج، أفضّل الآن أن أكتب قصة عن شاب يخنق طفلًا، لا عن أطفال أبرياء يلهون مع الفراشات”.

 

هذا ما قاله الساحر -كما يُفضِّلُ وصفه بعض الذين قرأوه- وهو يجيب مدللًا على لحظات الضعف ولحظات القوة في فعل الكتابة، بالاتساق مع شخصية الكاتب وحالته الشعورية اللحظية وبنيته الإبداعية، وأثر هذه العوامل مجتمعة في الأسلوب.

 

مصطفى تاج الدين موسى، الكاتب والقاص السوري، ابن إدلب الخضراء، في حواره مع جيرون.

ـ تميّز أسلوبك القصصي بـخصوصية المزج الصعب بين الواقعية التصويرية من جهة، والخيال الساحر، والشفافية الأدبية من جهة أخرى. من أين تأتي خصوصية الأسلوب والتعبير عند الكاتب، كيف تتكون هذه الخصوصية؟ هل تستطيع –بتجرد- تحديد العوامل التي ميزت أسلوب مصطفى؟

 

“عندما أنثر قصصي أمامي وأتأملها، أتذكّر الأيام التي كتبتها فيها، والحال الذي كنتُ عليه عندما كتبتها، يخيّلُ لي أنها تشبهني -بشكل ٍما- لحظة كتابتها، خصوصًا تلك القصص التي يمكن وصفها بـ (الكوميديا السوداء). أعتقد أن الخصوصية في الأسلوب تأتي بالدرجة الأولى -قبل الموهبة وقبل الثقافة- من طبيعة شخصية المبدع، أعتقد أن أي إنسان لديه شخصية تميزه عن محيطه الاجتماعي، وليس بالضرورة أن يكون مصطلح التميز هنا إيجابي، إن طبيعته وتميزه سوف ينعكس -في ما أظن- على نتاجه، أدبيًا كان أو أي شيء آخر”. وأضاف: “عندما أكون غاضبًا مثلًا، وأتورط في ـملاسنة كلامية طويلة مع أحدهم، من يراقبني سوف يضحك، لأنني في أثناء غضبي ارتجل كلمات وحركات مضحكة عن غير قصد، كذلك عندما أكون مكتئبًا؛ يبدو أن هذه الحالات المتقلبة المتميزة في الشخصية، سوف تنعكس -في ما بعد- بنسب متفاوتة على أسلوب الكتابة، خصوصًا القصص من نوع الكوميديا السوداء. أحدهم اعترض على فكرتي هذه، وقال: الكتابة هي لحظة نقاء يعيشها الإنسان. طيب، من الممكن أن يعيش الواحد منا لحظة النقاء هذه، وهو يتناول طبخة مميزة، أما الكتابة، فهي لحظة صدق. الخصوصية في الأسلوب، هي انعكاس صادق لشخصية الكاتب على نصوصه بعفوية، شرط أن يكون لشخصيته ما يميزها عن الآخرين سلبًا أو إيجابًا”.

 

ـ من التمثيل الى القص، من التعبير بوسائل وأدوات الممثل المتعددة والعمل الجماعي، إلى تكثيف الأدوات واختصارها بالكلمة والفعل الفردي، ما الذي أضافته لك موهبة التمثيل وتجاربها كقاص متميز؟

 

“لا أعتقد أنني موهوب في التمثيل، المصادفة أخذتني إلى عالمٍ مسرحي متواضع، في أثناء الدراسة الإعدادية والثانوية، لكنها -عمومًا- كانت مفيدة للتعرف إلى عوالم المسرح، والتورط بقراءات في المسرح العالمي، سوف تطور من ثقافتي ووعي مع مرور الوقت. الوقوف على خشبة المسرح -أيضًا- يساهم في نضج الشخصية”.

 

ويتابع الموسى قائلًا:

“أعتقد أن المسرح أنقذني آنذاك، أخذني من جماعة (اللغة من أجل اللغة)، إلى جماعة (اللغة وسيلة). المتابع لأغلب قصصي يشعر أنه أمام مشاهد ولقطات بصرية، وهذا ما سمح لبعضهم بتحويل بعض قصصي إلى السينما والمسرح”.

 

ـ مصطفى ابن مدينة إدلب، ابن عضو قيادة الثورة في المدينة، وأخٌ لمعتقل، قلت في سياق حوار سابق أُجري معك: “إن الثورة قد تم إجهاضها”،  متى وكيف بدأ وتحقق هذا الإجهاض برأيك؟.

“أظن أن هذا النظام السوري كان -ومنذ يومه الأول في السلطة- يحضّر نفسه بشكل جيد للثورة، منذ أربعين عامًا أو أكثر، كان تحضيره لهذه الأيام مستمر، لقد تخيل الحدث، وأوجد السيناريوهات المفيدة له، تمامًا كأي لصّ ينوي سرقة مصرف، يضع خطة متممّة للخطة الرئيسة في حال أُكتشف أمره”.

 

ويؤكد القاص موسى:

“كان الحراك مدنيًا مسالمًا في سبيل التغيير والحرية بشكلٍ عفوي، استطاع النظام بذكاء من العبث به ببطء حتى أنهاه، وانتقل بالحدث إلى حربٍ، يبدو فيها هو صاحب المثل والأخلاقيات، وبقية صفات الممانعة!!، في ظل تواطؤٍ عالمي قذر”.

ـ من الملفت عدد الجوائز الأدبية التي حصلت عليها خلال فترة زمنية ليست طويلة. ماذا تعني لك الجائزة؟ إلى أين توجه سهمك المقبل؟

 

“تبدو لي هذه الجوائز كأشهر عسل في زيجات أدبية مستمرة، بين حائزها وأوراقه وكتاباته. لدي بعض المشروعات الأدبية المقبلة، أظن أنها ظريفة، أتمنى -مع مرور الزمن- إنجازها بشكل جيد، وإن تعذر.. لا يهم، لا أظن إنجازها سوف يكون له أثر إيجابي على هذا الكوكب السلبي”.

ـ كيف ترى دور وفاعلية المثقف في الواقع السوري الراهن؟ هل ثمة فراغات تركها، ويجب أن تُملأ؟

 

“لا أعتقد في ظل مثل هذه الحرب أن يكون للمثقف دور كبير على الأرض، الدور الكبير لأشخاص غيره، يمكن بأفضل أوضاعه أن يكون -كما قال نيرودا-ـ “شاهدًا على عصره”، إذا لم تتوقف الحرب لن يكون للمثقف أيّ دور يُذكر.

 

طبعًا، تغيّيب المثقفين الأحرار، انعكس سلبًا على بعض البيئات من خلال انجرارها نحو ما هو غير مفيد لها، بعض المثقفين الذين أعرفهم كان لهم دور في حراك بيئاتهم، لكن… تراكم المجازر وشلالات الدم، كان كافيًا لإيقاف دور أيّ مثقف وأيّ ثقافة، لا يمكن لمن ذُبح والده وشُردت أسرته وسُجن وعُذب بوحشية وهُدم بيته، أن تذهب إليه وتناقشه بتاريخ العلمانية، ومراحل الديمقراطية ـ إلا إن كان نبيًاـ!!”.

 

(من قبو رطب لثلاثة رسامين) إلى (مزهرية من مجزرة) وما بينهما، رحلة إبداع لم تنته، رسم فيها الأديب القاص مصطفى تاج الدين موسى كلماته كمرآة، عكست واقعنا المؤلم بكل شفافية ومصداقية وألم.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق