هموم ثقافية

ثانية وثالثة، ودومًا.

“توكايدو” كانت في الماضي طريقًا يابانيّة طويلة، تصل بين طوكيو وكيوتو. اليوم، لم تعد طريقًا مُتعِبة لسفر اليابانيين، بل تحوّلت إلى محجّ، يؤمها الناس؛ كي يستمتعوا بقطعها مشيًا، وتأمّل ما يقوم على جانبيها، من هضاب وبحيرات وقوارب وأكواخ قديمة وسهول ودواب مختلفة، عبر 53 محطّة للاستراحة.

 

لم تتغيَّر الطريق، ولا ما كان يقوم على جانبيها. مهمَّة الطريق تغيَّرت، فلم تعد معبرًا بين مدينتين، بل صارت هي القصد والغاية والهدف، يرسمها فنانون، ويكتب عنها كتّاب، وتُوضع باسمها مقطوعات موسيقيين.

 

حين حصلتُ على صور بضع لوحات عنها، طفقتُ أتأمّلها متفكّرًا، لا في المعالم القديمة الجميلة الممتدّة على طرفي الطريق؛ بل في الطرق الكثيرة، والمتنوّعة، في حيوات البشر، تلك التي -لأسباب كثيرة- فقدت الغاية الرئيسة من إنشائها، وباتت، في ذاتها، غاية.

 

هل نقول، بصيغة أخرى، إنّه يحدث لنا أن نعجز عن الوصول إلى أهدافنا الكبرى التي وضعناها لأنفسنا في الحياة. يحدث أن ننشغل عنها، أو أن تنأى هي عنّا، أو يحدث أن تتألّب معطيات قاهرة علينا، فتحول بيننا وبين ما نسعى نحوه وننشده؛ يحدث ذلك كلّه. بيد أنّ الطريق تبقى. ويبقى معها ما بُذل من المساعي، والمجاهدات، والمكابدات، والأتواق، والمحاولات التي لا تُحصى للوصول.

 

تبقى الطريق، وما حفَّ بها، وقام على جانبيها، وتخلّل زمنها من أفراح وأحزان وتضحيات وخيبات وانكفاءات، من انطلاقات وتحقّقات، من مخاوف عابرة واطمئنان خاطف؛ حتى لكأنّ الطريق هي ما سعينا إليه!

 

هل في ذلك محاولات لتعويض نفسيّ عن خسارات كبرى على الأرض؟ هل في ذلك محاولة لحفظ ماء وجه أُهدر دون ما صبونا إليه؟ ربما. بيد أنّ معظم محاولات البشريّة للوصول إلى بُؤر الضوء باءت بالفشل؛ غلبتها العتمة، وتغلّب عليها الظلم والظلام، لكنَّ المُحاولين، جيلًا بعد جيل، لم يكفّوا عن محاولاتهم. لم يستكينوا. ربما استسلموا، بيد أنهم لم يُصالحوا قطّ، وما بين الاستسلام والمصالحة مسافات ومسافات، فيها يحاول الناس ثانية وثالثة، ودومًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق