قضايا المجتمع

(مولدات الاشتراك) استنزاف لجيوب أهالي ريف إدلب

مع انقطاع الكهرباء المتواصل لساعات طويلة في مدينة إدلب، لجأ الناس إلى مصادر بديلة، فكان (الأمبير) خير تلك الوسائل وأوفرها تكلفة، لكن مع مرور الوقت أصبحت تكاليفه عبئًا على المواطن الإدلبي.
في ظل الأوضاع المُعيية السيئة، وحالة الانقطاع التام للكهرباء في كثير من مناطق سورية الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، وفي ظل الحاجة الماسة لوجود بديل عن شركة الكهرباء غير الفعّالة منذ سنين، عمد السكان إلى تأمين أقل ما يمكن من التيار الكهربائي؛ لتسيير أمور حياتهم العادية، حيث بدؤوا استخدام بعض الإنارة الخفيفة عن طريق بطاريات السيارات والآليات الأخرى، ومن كان ميسورًا منهم، قام بشراء مولدة كهرباء صغيرة، كانت عبئًا عليه أكثر من فائدتها له، بسبب أعطالها المتكررة وعدم ثبات سعر المحروقات، وانتقل طور المولدات الصغيرة أخيرًا الى مولدات الاشتراك الضخمة الموجودة في أغلبية مناطق المدن والأرياف، والتي أصبحت بديلًا عن شركة الكهرباء، حيث تُمدَّد شبكة في الحي لإيصال الاشتراك للمستهلك.

يقوم بعض أصحاب رؤوس الأموال في كل منطقة سكنية باستثمار هذه الفكرة، حيث يقومون بشراء مولدة ضخمة ووضعها في أحد الأحياء، ويؤمنون وقودًا وقطع غيار لها، ويُشرفون على إدارة ساعات التشغيل ومد كابلات لعلب الاشتراك الموجودة في كل حي، بحيث تُقدّم هذه الخدمة المأجورة إلى المستهلك، الذي يقوم بدوره بمد كبل اشتراك للعلب في المنزل أو البناء، ووصله بقاطع يحدد نسبة اشتراكه الشهرية.

وبما أن المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام السوري تعاني -أيضًا- من قلة وجود الكهرباء، فقد انتقلت فكرة الاشتراكات أيضًا إليها، لكن ضمن ساعات محددة بحسب جدول انقطاع التيار الكهربائي في تلك المناطق.

أبو سعد، يملك إحدى أكبر مولدات الاشتراك في ريف إدلب، قال لـ (جيرون): “حين انقطعت الكهرباء في المناطق المحررة لمدة عام أو أكثر، ولم نعد نملك أي أمل بعودتها، فكّرت مليًا وقررت شراء مولدة تخدم المبنى الذي أقطن فيه مع إخوتي، وقمت بشكل سريع بتطوير تلك الفكرة، واقتنيت مولدة ضخمة تخدم حاجات السكان في الحي الذي أقطن فيه، حيث يوجد أكثر من 400 منزل، استطاع أصحابها الاستفادة من تلك الخدمة، عن طريق مولدة صناعية ضمن استطاعة 200 كيلو واط تقريبًا، وأنا أقوم الآن بتوزيع ما يقارب 1000 أمبير شهريًا، في البداية كانت التجربة جديدة، حيث قمت بمد كبل رئيس من المولدة لكل علبة من علب الحي، ووضعت داخل العلب قواطع حساسة بحسب عدد الأمبيرات المرادة لكل منزل، وقمت بالتشغيل لـ 5 ساعات بسعر 100 ليرة سورية للأمبير الواحد،  وكانت الفرحة عارمة، ولم نُصدّق ما رأيناه من ابتسامات على الوجوه حين تشغيل الساعة الأولى في الحي”.

أحمد هو أحد المستفيدين من هذه المولدات، شرح لـ (جيرون) ما تمّ، وقال: “لم نعد نستطيع العيش حياتنا دون كهرباء، فقمت بإحضار بطارية للإنارة وبات الأمر متعبًا، وكنت أحملها كل أسبوع تقريبًا لأحد معامل الزيت في المدينة، لأقوم بشحنها وإرجاعها، ثم قررت الاشتراك بالمولدة التي وُضِعت في الحي الذي أقطنه، لم أكن أعي تمامًا العبء المالي الذي التزمت به، فعلي أن أدفع لصاحب المولد شهريًا، لكن ما العمل، غلاء تام بكل شيء وأنا أحتاج للكهرباء في منزلي، ورضيت بالقليل من الكهرباء للتخفيف من العبء المالي الشهري بما يتناسب مع دخلي القليل”.

في ظل انتشار مولدات الاشتراكات في ريف إدلب، بدأت تظهر بعض النتائج السلبية والإيجابية في كل منطقة، حيث بات هناك سعر متفاوت في اشتراك الأمبير الواحد في مناطق ريف إدلب، ففي بعض المدن التي فيها منظمة لدعم عملية اشتراك الكهرباء عن طريق المجلس المحلي، كمدينة معرة النعمان، تتم المراقبة من حيث الالتزام في ساعات التشغيل، ومراقبة الخطوط، والحد من السرقة، والاكتفاء بربح بسيط للمجلس بعد استخلاص ثمن المحروقات، حيث يتراوح سعر الأمبير الواحد في تلك المناطق بين 50 و60  ليرة، أما في بعض المدن والأرياف فقد وصل سعر الأمبير الواحد إلى 100 ليرة، وشجّع ذلك المستثمرين الجشعين بسبب عدم وجود مراقبة من أحد، كما الحال في مدينة سلقين وحارم، وقد يصبح هناك منافسة في الأحياء التي يصلها عدة اشتراكات، ففي مدينة دركوش قام أحد موزعي الاشتراك بخفض سعر الأمبير إلى 65 ليرة؛ لوجود اشتراك آخر قريب يُغذّي قسم من الحي، فيما قام المنافس الآخر بزيادة ساعات التشغيل الى 6 ساعات؛ لترغيب المواطنين بالانتقال للمولدة الجديدة.

يزداد تذمّر السكّان في ريف إدلب الشمالي من الوضع المعيشي الصعب الذي يعانون منه، إضافة إلى استغلال أصحاب مولدات الاشتراكات، كونها الوسيلة الوحيدة للحصول على الكهرباء، ويقول خالد، وهو صاحب ورشة قماش في جبل الزاوية: إن صاحب الاشتراك في حيّه في إحدى قرى جبل الزاوية “يقوم بالتشغيل العشوائي وبأسعار خيالية، وفق وجود حالة عدم مبالاة من الذين يديرون شؤون البلد”، وحمّل كافة الجهات الخدمية والمؤسساتية العاملة في مدينته مسؤولية ما يحصل.

وقال أحد أعضاء المجلس المحلي في ريف إدلب لـ (جيرون): “لقد باتت الأوضاع المعيشية ظالمة، فلم يعد بإمكان أحد أن يؤمّن كافة مستلزمات حياته، وعليه الاستغناء عن بعضها، ونتلقى العديد من الشكاوى على أصحاب مولدات الاشتراك، وأرى ببعضها أصابع اتهام لنا، ولكن ما العمل، فنحن لا نملك ميزانية للقيام بمشروع مماثل وبأسعار تُحطّم جشع المستثمرين”.

في سياق سؤالنا عن سعر أمبير الاشتراك في العديد من المدن، كانت أغلبية السكان غير راضية عن تلك الخدمة، وتحدث الجميع عن الحياة المعيشية الصعبة التي يعانوها في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار، فضلًا عن موجة فقر حاد اجتاحتهم في السنوات الماضية، وعلى الرغم من ذلك، وبالمقابل، يحتج أصحاب مولدات الاشتراك من سعر المحروقات غير الثابت، وانقطاعها من المصدر، واحتكار التجار لها في الأسواق المخصصة لبيعها، إضافة إلى ارتفاع أجرة اليد العاملة وأسعار قطع التبديل لمولداتهم.

يترافق ارتفاع أسعار بعض المواد مع ارتفاع سعر الاشتراك بالمولدات، حيث توجد بعض المواد الاستهلاكية، أو بعض المنتجات التي تعتمد بشكل أساسي على وجود الكهرباء، ما يزيد حالة عدم رضى المواطن وزيادة تدنّي مستوى معيشته، وقربها من حد الفقر، ويقول ماهر، وهو مالك لأحد ورشات تفصيل الجينز لـ (جيرون): “لا أكون سعيدًا حين أرفع من سعر أي سلعة تنزل للأسواق، ولكن ماذا أفعل، فعملنا يعتمد على الكهرباء، والتي تُعدّ من مقومات الحياة، مع وجود حالة طلب وعدم رضا عن تلك الخدمة، وعدد ساعات التشغيل قليلة وغير كافية، ولذلك أقوم بتشغيل مولد احتياطي لدي، حين تنتهي ساعات التشغيل من مولد الاشتراك، من أجل استمرار عمل آلات الخياطة؛ لأزيد من الإنتاج أو حتى إكمال إنتاجي اليومي، واضطر -عندها- لرفع الأسعار بما يتلاءم مع المصاريف”.

أما طه، الذي يملك مولدًا صغيرًا في حي صغير في قرية باريشا في ريف حارم، فيقول: “إن وجود مشروع كهذا، يجلب كثيرًا من الأرباح، ولا أخفي حقيقة ذلك، خصوصًا في ظل الانقطاع التام للتيار الكهربائي، وحاجة الناس الماسة لوجود حل بديل، فمولّدي الكهربائي استطاع توزيع 1676 أمبير، خلال عمل 5 ساعات يوميًا، وأحتاج لتشغيله إلى برميل من المحروقات (المازوت) يوميًا، أي حوالي 250 لترًا، ويبلغ سعر الليتر الجيد في سوق المعارة، وهو سوق احتكاري للمحروقات في المناطق المحررة، إلى 180 ليرة سورية، وسعره غير ثابت، أي أنني أقوم بدفع 45 ألف ليرة ثمن مازوت يوميًا؛ لتشغيل 5 ساعات، إضافة إلى أنني أضع عامل صيانة ومراقبة براتب 1500 ليرة يوميًا، مع تكاليف إضافية من كابلات وأمور أخرى، تصل الى 10 آلاف ليرة سورية، ونحصل في الخلاصة على 56 ألف ليرة سورية للتشغيل اليومي، وبالمقابل أحصل على 125700 ليرة ثمن الاشتراكات يوميًا، وبعد حسم المصاريف أكون قد حصلت على 69700 ليرة مكسبًا يوميًا، ونحو 2 مليون ليرة شهريًا، بمعدل 30 يوم وسطيًا، ببساطة بإمكاني البدء بمشروع جديد أغطي نفقاته من مولدي الكهربائي المتوسط خلال شهر فقط وهكذا.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق