تحقيقات وتقارير سياسية

اتفاقية أضنة ومشروعية (درع الفرات) التركي

تباينت المواقف من عملية (درع الفرات)، والتي أعلنت عنها تركيا يوم الأربعاء الماضي، بالتنسيق مع فصائل الجيش الحر، وانتهت بالسيطرة على مدينة جرابلس، وطرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ ففي الوقت الذي أيدت فيه الولايات المتحدة تركيا، لم يبد الروس والإيرانيون، واللذان يعدّان الحليفين الرئيسين للنظام السوري، أي رد فعل رافض للعملية؛ ما فُسر على أنه قبول ضمني، في حين عدّ النظام السوري أن ما حدث خرق للسيادة الوطنية، ودعا الأمم المتحدة إلى تنفيذ قراراتها المتعلقة -بشكل خاص- باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

وعمومًا لم تتخذ أي دولة من الدول، بما فيها الدول الحليفة للنظام، موقفًا رافضًا للعملية، في حين لم يتعد موقف النظام سقف التنديد الذي أصبح أسطوانة مشروخة، لا يُعتد بها أي طرف من الأطراف الفاعلة في سورية، فعلامَ استندت تركيا في تبرير دخولها الأراضي السورية، وهل هناك بند في اتفاقية أضنة، ينص صراحةً على أن لتركيا الحق في التدخل المباشر في سورية.

كثيرٌ من السوريين يسمع باتفاقية أضنة، لكن قلة قليلة من اطلع على بنود وخلفيات هذا الاتفاق، الذي أُبرم في مدينة أضنة التركية عام 1998، خاصة أن الفترة التي أُبرم فيها الاتفاق، كان ممنوعًا على السوريين الخوض أو البحث في اتفاقية كهذه، والتي يجمع أغلب المختصين بالقانون الدولي على أنها كانت مذلة للنظام السوري بشكل عام، ولرأس النظام السوري آنذاك حافظ الأسد، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وصل التصعيد التركي ضد النظام السوري حد التهديد باجتياح سورية واحتلال حلب، وذلك بسبب دعم سورية لحزب العمال الكردستاني في قتاله ضد القوات التركية، وتقديم الدعم اللوجستي لعناصره، وتأمين معسكرات التدريب لمقاتلي الحزب في البقاع اللبناني، الذي كان في تلك الفترة تحت الوصاية السورية، كما أن عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني (PKK)، كان يقيم في دمشق، وفي حي (المزة) بالتحديد، وبحماية مباشرة من المخابرات السورية، هذا التصعيد التركي دفع النظام المصري -في تلك الفترة- للتحرك لرأب الصدع بين الدولتين، والذي كان يهدد استقرار المنطقة بشكل كامل، في حال نفذت تركيا تهديداتها، وكانت نتيجة التحركات المصرية مسودة اتفاق، مع أربع ملاحق سرية، كانت أقرب إلى عقد إذعان من النظام السوري منه إلى اتفاق بين دولتين ذاتيّ سيادة، وفي أثناء الاجتماع الذي سبق التوقيع على الاتفاقية، في 20 تشرين الأول /أكتوبر 1988، في مدينة أضنة التركية، لم تكتف الحكومة التركية بالمطالب التي حملها الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بل راحت تملي مطالب جديدة على الوفد السوري الذي كان يرأسه اللواء عدنان بدر حسن، رئيس شعبة الأمن السياسي، والذي كان بدوره يتصل هاتفيًا مع حافظ أسد؛ ليخبره بالمطالب التركية الجديدة، وكان رد الرئيس الأسد يجيبه: “أعطهم ما يريدون”.

ونص الاتفاق على مجموعة من النقاط، من أهمها طرد عبد الله أوجلان من سورية، وإغلاق معسكرات حزب العمال الكردستاني (PKK)، في سورية والبقاع اللبناني، ومنع دخول عناصر الحزب من التسلل إلى تركيا، وأن لا تزودهم بالأسلحة والمواد اللوجستية، وعدّ حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، كما نص الملحق الثالث للاتفاق على عدّ الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أيً منهما ليس له أي مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر، وهو ما يعني ضمنيًا اعتراف الحكومة السورية بأن لواء إسكندرون أرضًا تركية، ولاحق لسورية بالمطالبة فيها.

أما الملحق الرابع، والذي ينص -بشكل واضح- على أن إخفاق الجانب السوري في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية، حتى عمق 5 كم، فهو الملحق الذي ينسف كل ادعاءات النظام السوري حول مفهوم السيادة الوطنية، لأنه أعطى الحق للحكومة التركية في التدخل في سورية، وبشكل قانوني، استنادًا إلى الاتفاقية الموقعة، خاصة في ظل الأوضاع الحالية التي تشهدها سورية، فالنظام السوري، وبعد أكثر من خمس سنوات، فشل فشلًا ذريعًا في ضبط حدوده مع تركيا، ولم يستطع -طوال هذه المدة- منع سيطرة تنظيمات كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من السيطرة على الحدود السورية التركية، والتي ترى فيها تركيا تهديدًا لأمنها القومي، ويوافقها في ذلك المجتمع الدولي الذي يعدّ التنظيم أكثر المنظمات الإرهابية خطرًا في الوقت الراهن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تسيطر وحدات حماية الشعب الكردية (YPK) على القسم الآخر من الحدود السورية التركية، والتي تعدّها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، والذي تصنفه كمنظمة إرهابية، ما دفع تركيا لتفعيل هذا البند وعدّ تدخلها في سورية قانونيًا.

ومن هذا المنطلق يصبح كلام النظام السوري عن انتهاك السيادة الوطنية كلامًا فارغًا، ولا يعتد به من المجتمع الدولي، فالاتفاقية التي وقعها حافظ الأسد واضحة، لا تدع مجالًا للشك في أنه هو من باع السيادة الوطنية لتركيا، مقابل عدم ترك ملف شائك -كالملف التركي- للوريث الذي كان يتم إعداده في تلك الفترة؛ ليصبح رئيسًا لسورية، خلفًا لوالده الذي كان المرض بدأ يفتك به في تلك الفترة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق