اقتصاد

الواقع الاقتصادي السوري الصعب يرهق المجتمع حامل الثورة

اتّصف الاقتصاد السوري طوال أربعين عامًا أو يزيد، من حكم الدولة الشمولية، بالفوضى (المنظّمة)، والفساد المستشري، والإفساد المقصود، وهيمنة قوى واستطالات اقتصادية “كمبرادورية”، آلت على نفسها الإمساك بدفة الاقتصاد ضمن سياق غايات وأهداف تصب في النهاية لصالح هذه الفئة أو الشريحة (وهي ليست طبقة بكل تأكيد)، التي تنطحت متحالفة مع شرائح السلطة، للسيطرة على منتجات الربح الوفير الدافق من كل مفاصل المجتمع والاقتصاد السوريين.

استطاعت هذه الشريحة، ومنذ بدايات مرحلة السبعينيات من القرن الفائت، أن تستأثر بكل أقنية الاقتصاد، الأكثر ربحية، والأكثر دسمًا، فكانت القطط السمان حينًا، ورأسمالية الدولة حينًا آخر، فجمعت واستجمعت في المؤسسات الاقتصادية، الصغيرة والكبيرة، للقطاع العام والخاص، وكذلك القطاع المشترك، حتى بات الوضع الطبقي في سورية، يتركز في طبقتين اثنتين لا ثالث لهما، طبقة موسرة، بل فاحشة الثراء (وهي صغيرة)، وطبقة أخرى متجمعة من كل الطبقات، تحت خط الفقر، بل تُصنف عالميًا تحت خط الفقر “المدقع”، وتعاون الفساد الإداري مع الطبقة عالية الثراء في معظم تجلياتها، وتحالف معها، ذلك التحالف البائس وسيئ الذكر، ليُنتج واقعًا مجتمعيًا منهك القوة، ومنفلت من عقال التماسك المجتمعي، ومتآكل البنية تحت وطأة الفقر وسطوته. فانتشرت الرشاوى في جل دوائر الحكومة ومؤسساتها، بوضوح وفجاجة فاضحة، وبتشجيع من رؤوس متنفذة في النظام؛ لأن الفساد والإفساد يغطيها ويجعلها حالة طبيعية في سياقات ادارة فاسدة بالمجمل، مما اضطر بعض الشرفاء وغير القادرين (وهم كثر)، لأن يتّجهوا إلى العمل الإضافي، رغبة منهم في لجم وكبح غول الفقر والعوز، الذي يزحف باتجاه جميع الأسر السورية من ذوي الدخل المحدود، أو من عمال المياومة، وما لف لفهما.

هي حالة مجتمعية انعكست -بالضرورة- على تركيبة الأسرة بحد ذاتها، فجعلت من رب الأسرة شبه آلة تعمل ليل نهار في دوامة لا تنتهي، وهذا ترك آثاره على حالة التعليم في الأسرة، وحالة التآلف المجتمعي، والتواصل ضمن الأنساق المجتمعية، التي كانت سمة المجتمع السوري برمته، ناهيك عن عدم كفاية الحاجات الأساسية اليومية للأسرة، على الرغم من كل هذه الأعمال الإضافية، فالدخل أقل من الإنفاق، والعجز في الميزان التجاري للأسرة مستمر في التراجع والنكوص، أما الديون فتتراكم؛ ما يترك ذيوله على حالة التعاضد والتآلف داخل الأسرة.

هذا الوضع الاقتصادي الآيل للسقوط، هو الشرفة التي أطل منها الشعب السوري نحو ثوران مجتمعي كبير، تحقق مع بداية الثورة الشعبية السلمية، التي انطلقت في18 آذار/ مارس 2011، مُنهية -بذلك- حالة الترقب والانتظار، التي وسمت المرحلة الأخيرة من حياة الناس قبل ثورة الحرية والكرامة.

انطلقت الثورة، وهي تحمل تبعات كل تلك المرحلة من العسف والقمع، وهدر الإنسانية، والعوز المعيشي، والإنهاك المجتمعي، وهو حمل كبير وتركة ثقيلة، ومع ذلك، ومع بداية الثورة استطاع السوري أن يحمل كل تلك الأثقال على كاهله، وينطلق معلنًا أن كفى هدرًا للاقتصاد والإنسان والمجتمع معًا، وكفى عسفًا وقتلًا للإنسانية، وكفى سرقة لثروات الوطن، التي باتت نهبًا لمن هبّ ودبّ، من أصحاب النفوذ والشرائح المنتفعة، القريبة من السلطة وأصحابها.

وقف السوري ليقول: “واحد واحد.. الشعب السوري واحد”؛ فعلى الرغم من كل ما عاناه، ما زال لسان حاله يقول: “نحن شعب واحد”، مُحملًا -بذلك- المسؤولية كاملة للمستغلين من رجالات السلطة دون سواهم، وهذا الصوت عبّرَ عن وعي مطابق ومتقدم على كثير من حالات اللاوعي التي شهدها الشارع السوري في أثناء ثورته المظفرة.

لكن استمرار الثورة لأكثر من خمس سنوات، أرهق كاهل المجتمع حاضن الثورة، وليس حاضن الإرهاب كما يدعون، حيث توقفت عجلة الاقتصاد، خاصة المؤسسات الصناعية الصغيرة والمتوسطة، ومادون صغيرة، وتجمّدت الأعمال التي كان يتعيش منها السوري، وتراجعت الزراعة وبات الفلاح عاجزًا عن الذهاب الى حقله للعمل فيه؛ خوفًا من القصف بالبراميل، وتم طرد الآلاف من العمال والموظفين من مؤسسات الدولة، بحجة أنهم من حاضنات الإرهاب، كما تم اعتقال مئات الآلاف وزجهم في السجون؛ وبالتالي، تغييب شريحة من الشباب الذين هم عماد أي نهضة اقتصادية في أي بلد، ودفع الخوف من الموت أو الاعتقال الشباب لمغادرة البلد، بحثًا عن الأمان والعمل والحياة، وصارت موجات واسعة للهجرة والتهجير القسري، خارجًا وداخلًا، وبات مصير الأسرة السورية محكومًا بالتفكك والتشرد والتأثر بشظف العيش والنزوح والمنافي.

واقع سوري معاشي واقتصادي غاية في السوء، وانهيار اقتصادي واضح، ونهب مستمر للثروات على الرغم من الحرب، في كل مفاصل الدولة واقتصادها ومؤسساتها، وصناعة متوقفة، وتصدير مُجمّد، وعملة نقدية تنهار بشكل غير مسبوق، واقتناء الغذاء حلم، وركوب السيارة رفاهية مفرطة، والحصول على الكهرباء إعجاز، وتأمين جرة الغاز غاية لا تدرك، والسفر بين المحافظات خطورة، والحياة بحد ذاتها رفاهية.

هذا هو الواقع المعاشي الاقتصادي للإنسان السوري هذه الأيام، والمقبل أسوأ، وهو ما تسببته حرب النظام على الشعب، وبعد أن دمّر ثروات سورية ونهبها، واستنزف مخزونها؛ ليصرف على آلته الحربية، ولدفع رواتب المرتزقة، تلك الثروات التي سخّرها النظام لقتل الشعب، بدلًا من أن يُسخّرها لرفاهيته وضمان مستقبل مشرق له

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق