سورية الآن

الحسكة وجرابلس.. الأكراد وداعش

يزداد الموقف في مدينة الحسكة تعقيدًا وتدهورًا، وجاءت مواجهات الأيام الأخيرة بين النظام السوري ومليشيات “الاتحاد الديمقراطي” لتنقل الوضع إلى مرحلةٍ جديدة، فبعد أن عاش الطرفان عدة سنوات من العسل وجدا نفسيهما في مواجهةٍ عسكريةٍ، انتهت الجولة الأولى منها لصالح الطرف الكردي الذي قدّمت له الولايات المتحدة حمايةً مباشرةً، لم يسبق لها أن كرستها لجهة داخل سوريا منذ بداية الثورة.

خسر النظام الجولة، وأذعن إلى اتفاق مذلٍّ رعاه الروس، وقبل بمقتضاه سحب قواته وشبيحته من المدينة، مع إبقاء عناصر شرطةٍ تحرس موظفيه في مركز المحافظة الذين بات وجودهم مثار سخريةٍ لا تقلّ كاريكاتيرية عن سيادة بشار الأسد على قصره الرئاسي الذي يديره ويحرسه الإيرانيون والروس.

خسارة النظام مدينة الحسكة تبدو لبعضهم غير مفهومة، في ظل تفاهم النظام مع حزب صالح مسلم الذي اعتبر المعارضة المسؤولة عن مجزرة الكيماوي في الغوطة قبل ثلاث سنوات، ومردّ غموض الوضع أن الطرفين على تعايش في القامشلي، فلماذا يتحاربان في الحسكة؟ ويغيب عن طارحي هذا السؤال تفصيل هام، هو أن مليشيات “الاتحاد الديمقراطي” هي الحاكمة في القامشلي، ولم يبق للنظام غير علم يرفرف على بعض الدوائر، ومن يتحكّم بالدخول والخروج من المنطقة هي أجهزة “الاتحاد الديمقراطي”.

ليست سيطرة المليشيات الكردية على الحسكة تفصيلًا، والمؤشر على ذلك هو الموقف الأميركي من المواجهات، ولو لم تتدخل واشنطن وتمنع النظام من استخدام سلاح الطيران، منذ مطلع الأسبوع الحالي، لكان النظام كسب المواجهة في المدينة، ففي الأسبوع الأول، حقق تقدمًا وألحق خسائر كبيرة بالمليشيات الكردية. والمثير للاستغراب هنا هو الموقفان الروسي والإيراني. رعى الروسي اتفاق وقف النار الذي تنازل بموجبه النظام عن المدينة، أما الحليف الإيراني فقد التزم الصمت، واكتفى برمي بالوناتٍ من نوع أن المعركة الأساسية بالنسبة له تدور رحاها في حلب، ولن يشغل نفسه بمعركة الحسكة التي يمكن استرداها إذا حسم معركة حلب لصالحه.

مهما يكن من أمر، يسجل على النظام السوري الحالي، ومعه إيران وروسيا، التنازل عن جزء من أراضي سوريا لصالح المليشيات الكردية التي تعمل وفق مخطط تطهير عرقي لأهالي محافظة الحسكة منذ حوالي عامين. وقد بدأ هذا التنازل بالتدريج، حين سلم النظام منطقة رميلان وحقول النفط عام 2012 إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، وفي حسابه أنه يتفاهم مع هذا الطرف، من أجل قمع الثورة ضده في واحدةٍ من أكبر محافظات سوريا وأغناها.

تنازل النظام عن الحسكة للأكراد هو منتهى الاستهتار بأهالي المنطقة، وبمثابة هدية من لا يملك إلى من لا يستحق. ولكن، في جميع الأحوال، ستكون السيطرة على الحسكة بداية لنزاع مديد، إذا لم يراجع الاتحاد الديمقراطي نفسه، ويتخلّ عن نزعة السيطرة على أرض الآخرين بالقوة، ودروس التاريخ شاهد على أن الذي حمى هذه المنطقة تاريخيا هو معرفة كل طرف حجمه وموقعه، ولم يكن الفضل في ذلك لا للنظام ولا لغيره. وما يحصل اليوم هو اختلال موازين يقوم على استثمار طرفٍ كرديٍّ ظرفًا دوليًا يلعب لصالحه، لكن وقائع التاريخ والجغرافية هي التي ستقول كلمتها في نهاية المطاف، وستكون هناك فاتورة يجب دفعها على الجميع، وهذا ما تعكسه، إلى حد كبير، معركة جرابلس ومنطقة غرب الفرات.

يرفض حزب الاتحاد الديمقراطي الانسحاب من منطقة غرب الفرات، بذريعة محاربة “داعش”، لكن هذه النكتة لا تنطلي على أحد، مثل عملية بسط السلطة على أراضي العرب في الحسكة، ولو كان حزب الاتحاد الديمقراطي من داخل المشروع الديمقراطي السوري لاختلف سلوكه مع بقية الأكراد الذين يعارضونه قبل العرب الذين يمارس ضدهم سياسة التطهير العرقي.

مقالات ذات صلة

إغلاق