تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضة السورية بين الداخل والخارج تباينات وارتباك ومنافسة عبثية

تواجه المعارضة السورية خطابًا هجوميًا مصدره لسان النظام، الذي يقول في كل المحافل الدولية: إنه لا يدري مع أي معارضة سيتفاوض، عادًّا أن المعارضة “معارضات” غير متناغمة ولا رؤية مشتركة لها. في الوقت الذي يؤكد فيه معارضون أن دعوى النظام غير دقيقة، وخطابه يفتقد للدقة والصدقية، وهو -من جهة أخرى- ما لا يراه معارضون آخرون.

برزت على الساحة السياسية في السنتين الأخيرتين “مفاهيم انقسامية”، ينطق بها سياسيون معارضون، وناشطون سياسيون، وسوريون على حد سواء، مفاهيم لعل أكثرها خطورة هو “معارضة الداخل والخارج”.

 

يقول الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، وممثل هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في الهيئة العليا للمفاوضات، أحمد العسراوي، لـ (جيرون): “في البداية لم تكن هناك معارضة تقيم في الداخل ومعارضة تقيم في الخارج عند انطلاق ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بل كانت معارضة مكونة من قوى سياسية عدة، مجتمعة في التجمع الوطني الديمقراطي الذي يطالب بالتغيير الوطني الديمقراطي لنظام التفرد والفساد والاستبداد القائم في البلاد، وكل هذه القوى موجودة داخل البلاد، ومن الطبيعي أن يكون لها امتدادات خارج البلاد”.

 

وتابع “هناك أفراد ومجموعات من مدرسة هذه القوى، أو أنصارها، تقيم في الخارج ولكل منهم أحواله الخاصة، ولا يستثنى من هؤلاء إلا الإخوان المسلمين الذين غادروا البلاد بعد أحداث الثمانينيات، ولا أعرف -فعلًا- إن كانوا قد كونوا حزبًا واحدًا في الغربة، أم بقوا مجموعات متفرقة”.

 

وأوضح: “مع نهايات العام 2005، تكوّن إعلان دمشق من هذه القوى الموجودة في الداخل نفسها، وبعض الشخصيات الوطنية المعارضة، وانضم إليه لاحقًا بعض مكونات الإخوان المسلمين، لكنه لم يعمّر فعليًا طويلًا؛ نتيجة خلافات منهجية، وليست شخصية كما يعتقد أو يرى بعضهم”.

ويرى العسراوي أنه “بعد انطلاقة الثورة، ونتيجة لاختيار النظام الحل الأمني العسكري في مواجهة الحراك الوطني، واستخدامه العنف، سواء بالاعتقال أو بالسلاح، ودخول بعض المعارضين إلى ساحته التي كان يريدها، وما نتج عنه من تدخلات إقليمية وخارجية لصالح كل الأطراف، بدأت عمليات الهجرة الفردية وشبه الجماعية إلى خارج البلاد”.

 

كيف أثرت تباينات المواقف في صفوف المعارضة في الحالة السورية

تركت بعض التباينات في وجهات نظر فصائل المعارضة السورية السياسية آثارًا، يمكن وصفها “بالسلبية”، ولا سيما أن هذه التباينات مازالت تعرقل توحيد الكلمة في صفوف المعارضة، فضلًا عن توحيد التحركات نحو تشكيل جسم معارض موحد، يمكن عدّه بديلًا منطقيًا لنظام الأسد.

 

يرى عبد الرحمن فتوح، ناشط سياسي مقيم في دمشق، أن تباين وجات النظر والانقسام الجغرافي للمعارضة السورية، ما بين الداخل والخارج، “مؤثر على حال المعارضات، سواء أكانت كانت سياسية أم عسكرية، مهما كان دافعهافي مناوئتها للنظام؛ فهي مرتبطة بأيديولوجيا معينة تقيدها في أُطر محددة، فمثلًا معارضة الداخل، لديها سقف محدد لا يمكن الارتفاع فوقه، وذلك طبعًا لأسباب أمنية، وتتعلق بسلامة الناشطين؛ خوفًا من الاعتقال أو التصفية.  أما من الناحية العسكرية، فلابد لأي تنظيم مسلح من وجود جهة داعمة له، تكون موجهة له ولقراراته بشكل غير مباشر”.

وتابع خلال حديثه مع (جيرون): “بالنسبة لمعارضة الخارج التي هي حكمًا معارضة سياسية أو قيادات تعطي أوامر للجهات المسلحة، ولا سيما إن سورية أصبحت أرضًا للحرب بالوكالة، فيتبع بعض المعارضين إلى دول وسياسات معينة لتمرير أجنداتهم”، وأوضح “هناك جانب آخر للموضوع، هو جانب احتكار التمثيل الذي تسعى أطراف المعارضة للوصول إليه، دون وجود أي مقياس في وقت الحرب لمدى شعبية أي طرف، كما يكون في حالة السلم من صناديق للاقتراع وانتخابات برلمانية وحريات سياسية، تسمح بتحرير الحقل العام، وفسح المجال للتسويق السياسي والحزبي. طبعًا هذا نتاج 40 عامًا من الاستبداد وغياب للحياة السياسية في سورية”.

 

إلا أن عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الأمين العام السابق للائتلاف، يحيى مكتبي، يرى أن “التباينات في وجهات النظر ليست بين معارضة الداخل والخارج، وإنما بين معارضة الداخل نفسها، ومعارضة الخارج نفسها”، مستدركًا أن هناك “جسمًا صحيًا في هذه التباينات، يعتمد على مبدأ أن الاختلاف لا يفسد للود قضية”.

وأضاف مكتبي، في حديثه مع (جيرون): إن هذه التباينات تنعكس بشكل سلبي في الحالة السورية عبر ” أولًا، التشتت في الشعارات، حيث أن سورية اليوم متضاربة بالشعارات، وضاعت البوصلة أمام الهوية الوطنية السورية العليا، ثانيًا، التشرذم الذي تعاني منه قوى الثورة والمعارضة، وأخيرًا، نظرة المجتمع الدولي التي يكتنفها شيء من الشكّ والتضعيف بالمعارضة، خصوصًا أنه-المجتمع الدولي- يريد أن يتعاطى مع مكون قوي متماسك يشكل بديلًا من نظام الأسد”.

 

عقدة الفصل

على الرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على ولادة الثورة السورية، إلا أن حال المعارضة السورية آيلٌ نحو التعقيد المركب، يومًا بعد يوم، ما جعل رسالة الشعب السوري إلى أطياف المعارضة -في أكثر من مناسبة- هو “توحدوا”، هذا الشعار الذي يعكس -بالضرورة- ضيق الشعب ذرعًا بحال المعارضة بعد كل هذه السنوات.

 

يرى العسراوي أن الحديث عن عقدة الفصل في حال المعارضة صعب، مضيفًا: “أود التذكير باتفاق الدوحة أواخر آب 2011، الذي لم ير النور، واتفاق نهاية عام 2011 في القاهرة بين هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني السوري، الذي انتهى قبل أن يجف حبره، وبنتائج مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة منتصف عام 2012، التي ذهبت مع الريح”، وأكد أنه “مع هذا وذاك، فإن الاجتماع على أجندة واحدة وكلمة واحدة ضرورة وطنية”.

 

فيما يُفصِّل “مكتبي” أصل المشكلة في تباينات المعارضة قائلًا: إن هناك عدة نقاط يمكن الوقوف عندها، “أولًا، تباين وجهات النظر والأجندات، بدءًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ ما نتج عنه عدم اتحاد قوى الثورة والمعارضة تحت مظلة مشروع وطني حاسم، وثانيًا، الصراع في سورية لم يعد نطاقه محليًا منذ زمن، وهناك تأثيرات دولية وإقليمية تلقي بظلالها على أداء قوى الثورة والمعارضة. وأخيرًا: لم توجد قيادة للثورة تستطيع أن تدفع نحو تبني رؤية وطنية سورية واحدة، وللأسف لعب

نظام الأسد دوره أيضًا، من خلال تسفيه كل قوى المعارضة والتقليل من شأنها”.

وحول رؤية السوريين لحال المعارضة السورية، أكد “فتوح” أنهم “لا يفرقون بين معارضة الخارج والداخل، لكن لديهم مآخذ على الاثنتين، ولا يعولون عليهما؛ نتيجة عجز أطراف المعارضة كافة عن أن تكون ممثلًا حقيقيًا لمطالب الشارع السوري”، مضيفًا: “عشوائية الحراك التي لا تملك مقومات العمل السياسي أدت إلى تشرذم القوى؛ نتيجة اختلاف الأيديولوجيات فيما بينها، واختلاف أسباب معارضتها للنظام، هذا إضافة إلى الشرخ الواضح بين النخب السياسية وبين الشارع السوري. حاليًا لا توجد أي جهة سياسية تملك برنامجًا سياسيًا واضحًا، يمكن أن يؤهلها لتكون بديلًا حقيقيًا عن نظام الاستبداد”.

الهيئة العليا للمفاوضات خطوة نحو التوحد أم نحو تشرذم أكبر

جاء تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات السورية أواخر عام 2015، ليشكل شعورًا متضاربًا في نفوس كثير من السوريين، حيث عدّها جزءًا منهم أنها خطوة نحو توحيد الصفوف، في حين رآها آخرون أنها خطوة خطأ جديدة في طريق تشرذم أكبر، يصب في مصلحة النظام.

 

“يحيى مكتبي” قال: إن “الهيئة العليا للتفاوض هي مهمة في تشكيلها، لكن مهمتها تُختصر في التفاوض، ونحن كائتلاف نرى تكاملًا بيننا وبينهم، كما أن الحكومة الموقتة تعمل تحت لواء الائتلاف بوصفه الجناح السياسي في المعارضة السورية، هذه المكونات الثلاث تقوم بعمل تكاملي”.

وأوضح أنه عندما “تنصرف هذه المكونات الثلاث إلى انجاز مهماتها، أعتقد أنه ستكون هناك خطوات إلى الأمام أكثر، وستعكس هذه الخطوات الانسجام في مؤسسات المعارضة السورية”.

وأشار إلى أنه “اليوم أيضًا لدينا خطوات مهمة سنقوم بها، من بينها اجتماع لندن الشهر المقبل، حيث ستقدم فيه الهيئة العليا الرؤية السياسية للحل في سورية، والتي تتوافق مع القرارات الدولية وتنسجم معها”.

 

من جهته، قال العسراوي: “هناك فرق بالرؤية، فالهيئة العليا للمفاوضات التي نحن -هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي- مكون أساسي من مكوناتها، نراها مقدمة للعمل الجمعي لموقف قوى المعارضة الوطنية السورية، ونعمل مع مكوناتها الأساسية الأخرى، وما حولها للتقدم باتجاه إنجاح مهماتها، ونرغب في أن تنضم إليها القوى أو المجموعات أو الأفراد من المعارضة الفعلية كافة، والتي تتشارك معها في الكثير من المواقف”، معلقًا: “ما يسمى بالحكومة السورية الموقتة- مع تقديري الشخصي لرئيسها- فهي نتاج عمل مكون واحد من مكونات الهيئة العليا للمفاوضات غير متفق عليه”.

إلا أن “فتوح” يكشف تشاؤمًا حول قدرة المعارضة السورية على توحيد صفوفها، حيث قال: “أنا لا أرى في الهيئة العليا للمفاوضات والحكومة الموقتة أو أي كيان احتكاري للحق سوى كيان استبدادي جديد، أو إعادة لتوليد الاستبداد بطريقة أو بأخرى؛ سعيًا للوصول إلى السلطة بطريقة براغماتية، قد تؤدي إلى تدمير البلاد مقابل الخلاص من هذا النظام الاستبدادي القائم”، وعدّ أن ألوان طيف المعارضة “تعتمد على قاعدة عدو عدوي صديقي بالضرورة، وأن كل ما يضر النظام يفيدني بالضرورة، حتى بدأت بعض القوى تروج علنا لجماعات وتنظيمات راديكالية على أنها جزء لا يتجزأ من المعارضة، وأن إسقاط النظام أصبح غاية وليس وسيلة، لتحقيق الديمقراطية والحرية والعدالة التي كانت أهم أهداف ثورة الكرامة”.

 

وختم حديثه مع (جيرون) قائلاً: “نحن اليوم بحاجة إلى بلورة كيان سياسي، قادر على أن يكون بديلًا حقيقيًا لنظام الاستبداد القائم؛ ليكون مطمئنًا لضمان سلامة وأمان البلاد بعد الخلاص من هذه الحرب الدائرة”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق