تحقيقات وتقارير سياسية

الممانعة” تُعيد إنتاج “الصهيونية” فتقتل الأطفال

شكلت شعارات “طفل ميت خير منه حيًا، اقتلوا أطفالهم؛ لأنهم سيحملون السلاح ضدنا غدًا، ابقروا بطون حواملهم؛ لأنها تحمل قنابل موقوتة”، أهم أدبيات العمل لعصابات “الهاغانا وشتيرن” الصهيونيتين، في سعيها إلى محو الوجود الفلسطيني، إبان تأسيس دولة الاحتلال في أربعينيات القرن الماضي، ويبدو أن النظام السوري -الذي يعدّه كثيرون ربيب الدولة العبرية- يُعيد إنتاج تلك السياسات ضد المناطق الخارجة عن سيطرته بجرائم أكثر ابتكارًا.

 

ذلك التقديم ليس توصيفًا مبنيًا على آراء المحللين، أو رغبات المحرر الصحافي في بحثه عن عنوان دسم يستثمر من خلاله قدرة الإعلام على صناعة “البروباغندا”؛ استجلابًا لدموع المناصرين، انطلاقًا من موقع الضحية، بل هو واقع مورس ويمارس على الأرض منذ أكثر من 40 عامًا في سورية، ولعل أحد أبرز دلائله اليوم وفاة التوأم السيامي (نورس ومعاذ) من الغوطة الشرقية في إحدى مستشفيات العاصمة دمشق؛ بسبب رفض النظام منحهما إذنًا لمغادرة البلاد على مدى أكثر من 12 يومًا.

 

في التفاصيل، خرج الطفلان التوأم من الغوطة الشرقية بريف دمشق، برفقة والتهما باتجاه مستشفيات العاصمة، بعد اتصالات حثيثة دامت لأيام مع المنظمات المعنية، قبل أن يوافق النظام على إخراجهما برعاية الهلال الأحمر ومنظمة الصحة العالمية في 13 آب/ أغسطس الحالي، كخطوة أولية لنقلهما خارج البلاد، بعد أن وافقت جهات خارجية عديدة على استقبالهما، وإجراء ما يلزم طبيًا لضمان استمرار حياة الطفلين، إلا أن النظام رفض لأسبوعين منح التوأم ووالدتهما إذنًا يسمح بذلك؛ ما أدى إلى وفاة التوأم.

 

ناشطو الغوطة الشرقية حملوا نظام الأسد المسؤولية المباشرة، وشددّوا على أن الأخير قتل الطفلين بدم بارد، وهي جريمة ضد الإنسانية، تضاف إلى سجلات النظام الحافلة بالجرائم، وهو ما يؤكده الناشط عبد المالك عبود، الذي قال لـ (جيرون): “إن وفاة الطفلين التوأم جريمة موصوفة ضد الإنسانية، ارتكبها النظام السوري بحق الطفولة في سورية، ما حدث ينبغي ألا يمر مرور الكرام لأن الطفلين كان لديهما فرصة للحياة، لو سُمح للمنظمات الدولية والجهات التي تدخلت من أجل إجلائهما إلى دول تستطيع القيام بما يلزم، كثير من الجهات أبدت استعدادها، فهناك جهة طبية في أميركا وأخرى في السعودية، أبدت موافقتها لإخراج الطفلين واستقبالهما واتخاذ كل ما يلزم طبيًا لضمان حياتهما،  لكن النظام عرقل وماطل في منحهم الأوراق الحكومية اللازمة لخروجهما من المطار حتى يتأكد من موتهم، وبالتالي هو من قتلهم، وإن كان من غير سلاح أو بطريقة غير مباشرة”.

تأتي جريمة قتل الطفلين التوأم -وفق رأي ناشطي الغوطة- في سياق الجرائم المُمنهجة التي يرتكبها النظام ضد المناطق الخارجة عن سيطرته، وربما للمصادفة، جاءت بعد أيام من الذكرى السنوية الثالثة لمجزرة الكيماوي، والمسجل باسمها أكثر من 1400 ضحية، أغلبيتهم أطفال، ما يعيد التأكيد على مدى نفاق المجتمع الدولي تجاه ما يحدث في سورية، وهنا قال عبود: “المنظمات الأممية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، لم تُقصر أبدًا، وحاولت ما باستطاعتها، كنا على تواصلٍ مستمر مع عدة شخصيات مسؤولة في المنظمة، وكانوا جادين في مساعيهم لإجلاء الطفلين، والمساعدة في وصولهما إلى أي دولة في العالم؛ لإجراء العمليات الجراحية التي تساعدهما على الحياة، لكن النظام السوري أبى، وهو المسؤول الأول عن قتلهم، وهنا يمكن القول إن مجلس الأمن هو الشريك الرسمي في الجريمة؛ لعدم اتخاذه أي إجراءات ضد نظام، يمارس إرهاب الدولة المنظم ضد شعبه”.

قصة الطفلين لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة في إطار الإنسانية المعلبة للعالم، المهتم بتقاسم المصالح والنفوذ اعتمادًا على خرائط الدم في سورية، إذ مازالت تنتظر داخل الغوطة الشرقية المحاصرة عشرات الحالات الحرجة، والتي تحتاج إلى عناية خاصة، تعجز النقاط الطبية في المنطقة عن توفيرها، ومئات الحالات الأخرى في مضايا ودير الزور وجنوب دمشق، ترفض (ما يُطلق عليها اسم قلعة المقاومة في دمشق) إخراجهم لتلقّي العلاج، لأنهم يُشكلون عائقًا أمام مشروعها التحرري الذي يمر عبر جماجم مواطنيها، وفي هذا السياق قال عبود: “القصة لم تبدأ ولن تنتهي هنا، النظام السوري ارتكب جرائم ضد الإنسانية كثيرة، النظام ارتكب سابقًا كثيرًا من جرائم الذبح والتنكيل بحق الأطفال في الأراضي السورية كافة، وسيستمر في ذلك؛ لأن أحدًا في هذا العالم لا يريد الإصغاء إلى صوت الحقيقة الآتي من سورية”.

ربما ستستغرق دراسات علم النفس الاجتماعي كثيرًا في مقارباتها لمدى التشابه في ممارسات مخمّس القتل في المنطقة (الأسد / إيران / روسيا / داعش / إسرائيل)، وفي تحليل التحالفات فيما بينها، قبل أن تخرج بخلاصات ناجزة، وهو ما أكده عبود بالقول: “أوجه التشابه كثيرة بين نظام الأسد والإسرائيليين، لا تبدأ بالاعتقالات التعسفية والتنكيل بالمعتقلين، أحياء وأمواتًا، واعتقال النساء والأطفال الذين لا علاقة لهم بأي صراع، وقصف المناطق المدنية بوصفها حواضن شعبية للثورة، ولا تنتهي بحصار المناطق الثائرة ومحاربة المدنيين داخلها بطعامهم وشرابهم؛ لإعادتهم إلى بيت الطاعة. أعتقد أن المقارنة خطأ ولا تعبر عن الواقع، لأن النظام تجاوز بمراحل حدود الإجرام الإسرائيلي، وربما هذا من أكبر المآزق الأخلاقية التي نواجه حاليًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق