هموم ثقافية

الكافكاوية: مفهومًا وأداة تحليل؟

لم يكن الكاتب التشيكي فرانز كافكا مفكرًا أو ناشطًا سياسيًا، بل كان روائيًا انكبَّ طوال سنوات عمره على حياته الشخصية وفنه. كما لم يكن مسرح رواياته يشي في ظاهره بأي اهتمام سياسي مباشر يتيح فرصة استخلاص رؤية سياسية أو اجتماعية. ولأنَّ معظم الدراسات التي كتبت عن رواياته والتي قرأناها بالعربية خصوصًا كانت تستند إلى ترجمات هذه الروايات سواء إلى الفرنسية أو الإنكليزية ومنهما إلى العربية، فإنها لم تتوصل إلى القيام بتحليل دقيق لهذه المبدعات الروائية ولا إلى فهمها كما فهمها التشيكيون، أي جمهور كافكا الأول، وكما كان طبيعيًا أن تفهم على هذا النحو.

كان أوّلَ من نبّه إلى هذا الأمر روائيٌّ آخرَ قام بواحدة من أهمِّ القراءات لمبدعات كافكا الروائية (ولسواها أيضًا) ــ وهو في الوقت نفسه مواطن ولد وعاش في المدينة نفسها التي عاش فيها كافكا – ونعني به ميلان كونديرا، واستخلص في قراءته عناصر ما أطلق عليه الكافكاوية، باعتبارها رؤية اعتبرت فيما بعد نبؤة حين بات من الممكن قراءتها في ضوء التحولات الاجتماعية الكبرى التي اضطربت بها بدايات القرن العشرين وتجلت آثارها المادية وكان بعضها كارثيًا بعد وفاة كافكا.

لاحظ كونديرا في قراءته للترجمات الفرنسية لروايات كافكا ما أدت إليه هذه الترجمات من فهم وتفسير، ووضع يده على المسافة الواسعة التي تفصل مثلًا بين فهمها في مدينة براغ وفهمها بباريس. في الأولى تنساب روايات كافكا في عروق حياة البراغيين اليومية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية معه، فكانوا يطلقون مثلًا على مقر الأمانة العامة للحزب الشيوعي: القصر، وهو عنوان إحدى روايات كافكا، أو على المسؤول الثاني في الحزب (الرفيق هندريش) اسم أحد شخوص الرواية، كْلامْ، الذي يعني بالتشيكية السراب أو الخدعة.

من الممكن تلخيص تجليات الكافكاوية في أربعة عناصر يمكن العثور عليها في الحياة اليومية العامة مثلما يمكن العثور عليها في روايات كافكا نفسه: الأول، عالم المؤسسة أولًا بوصفها آلية تخضع لقوانينها الذاتية ولا تهتم بالمصالح البشرية، وهي تتجلى في سلطة غامضة متشابكة الدهاليز، غامضة القوانين، لا يُعرف لها حاكم أو مُقرِّر؛ والثاني، الملف، وهو يشبه في عالم كافكا الروائي الفكرة الأفلاطونية. إذ يمثل الواقع الحقيقي للإنسان في حين أن وجود هذا الأخير المادي ليس إلا ظلًا، بل أقل من الظل؛ والثالث، العلاقة بين الخطيئة والعقاب. فبخلاف بطل دستويفسكي راسكولينكوف الذي لا يستطيع احتمال شعوره بالذنب فيرضى كي يستريح بالعقاب، وبالتالي فإن الخطيئة في حالته، هي من يبحث عن العقاب، يبدو المنطق لدى كافكا معكوسًا بصورة كلية: يتمّ أولًا إنزال العقاب ثم يبدأ البحث عن الخطيئة، تمامًا كما يفعل ك. في رواية “القضية” بعد اتهامه، باحثًا في تفاصيل حياته كي يعثر على خطيئته؛ وأخيرًا، العنصر الكوميدي في روايات كافكا الذي لا يمثل لحنًا مضادًا للتراجيدي كما هو الأمر لدى شكسبير، ولا يتواجد لكي يسعف الناس على تحمل التراجيدي بل يحطم الكوميدي التراجيديّ في المهد، أي رعب الكوميدي في الكافكاوية الذي لا يتيح أي سلوى للناس.

من المشاهد التي يرويها ميلان كونديرا لبعض تجليات الكافكاوية في الحياة اليومية هذا المشهد الذي حضره في بيت صديقة له كانت قد اعتقلت خلال المحاكمات الستالينية في براغ عام 1951 وأدينت بسبب جرائم لم ترتكبها. كان عليها شأن سواها من مئات الشيوعيين الذين تماهوا في الحزب قبول اتهام هذا الأخير لهم ومن ثم، وعلى غرار بطل كافكا جوزيف ك.، قبول “النظر في حياتهم الماضية حتى في أدق التفاصيل”، كيما يبحثوا عن الخطأ المستور وأن يعترفوا بجرائم وهمية. لكنها على العكس من رفاقها، رفضت بفضل شجاعتها الخارقة الخضوع لعملية “البحث عن خطيئتها”. كان رفضها يعني رفض مساعدة جلاديها الذين باتت بلا فائدة بالنسبة إليهم في مشهد المحاكمة الأخير، فحكم عليها بالسجن المؤبد بدلًا من الإعدام الذي حكم به على رفاقها. لكنها خرجت بعد خمسة عشر عامًا وأعيد لها الاعتبار. حين خرجت من السجن كان ابنها قد بلغ السادسة عشر من عمره. حين زارها كونديرا، وكان ابنها قد بلغ السادسة والعشرين، وجدها تبكي وقد غمرها الضيق والانزعاج. لم يكن هناك من سبب لبكائها سوى أن ابنها استيقظ ذلك اليوم متأخرًا. وحين قال لها كونديرا: لم تغضبين لهذه السخافة؟ هل هذا سبب كاف للبكاء؟ لم يتلق الجواب من الأم بل من الإبن: “لا، إن أمي لا تبالغ. إن أمي امرأة ممتازة وشجاعة. فقد قاومت حيث فشل الناس جميعًا في المقاومة. وهي تريدني أن أصير رجلًا شريفًا. حقًا، لقد استيقظتُ متأخرًا جدًا، لكن ما تؤاخذني عليه أمي شيء أكثر عمقًا. إنه سلوكي. سلوكي الأناني. أودّ أن أصيرَ ما تريدُ أمي أن أصيره. وإني لأعدها بذلك أمامك:”!

يعلق كونديرا: “إن ما لم ينجح الحزب في تحقيقه مع الأم، نجحت الأم بتحقيقه مع الابن. فقد أرغمته على التماهي في هذا الاتهام السخيف، ودفعت به إلى الذهاب “للبحث عن خطئه” وإلى الاعتراف به علنًا. شهدتُ مذهولًا هذا المشهد من محاكمة ستالينية صغيرة، وفهمت دفعة واحدة أن الآليات النفسية التي تتحكم بالأحداث التاريخية الكبرى (والتي تبدو خارقة ولا إنسانية) هي ذاتها التي تتحكم بالأوضاع الحميمة (العادية والمفرطة في إنسانيتها).”

مثل هذه التجليات وسواها في الحياة اليومية تسمح بطرح سؤال أساس: إلى أي حدٍّ يمكن أن تفيدنا الكافكاوية، وهي كما نرى مجموعة من عناصر جوهرية ألفت قوام مجموعة من مبدعات روائية محضة واستحالت نبؤة تتحقق في الواقع العياني ثم تتجسَّد مفهومًا يتجاوز المبدعات التي صدر عنها إلى سواها لا من الأعمال الأدبية فحسب بل إلى الواقع الإنساني عامة؟ وهل يسعنا تثبيت هذا المفهوم أداة من أجل فهم وتفسير العديد من البنى الاجتماعية والسياسية في الواقع السوري المعاصر خاصة والواقع العربي عامة فضلًا بالطبع عن المبدعات الأدبية ؟

من الواضح أن كل محاولة للإجابة عن هذا السؤال ستأخذ بعين الاعتبار واقعة علاقة التوريث القائمة بين الأحداث التاريخية التي تكاد تكون لا إنسانية من جهة والأوضاع الحميمة المفرطة في إنسانيتها من جهة أخرى، ومن ثمَّ، لا بد لها من أن تستعيد عناصر هذا المفهوم وتنظر في مدى ملاءمتها للواقع المراد مقاربته بواسطتها.

على أن الأمر لن يكون حتى مع مراعاة كل ذلك، سهلًا، ولا مضمون النتائج أيضًا. لكن ضرورة فهم ما يحدث من حولنا تفرض خوض هذه المغامرة، لا لانعدام مناهج صالحة لمقاربة الوضع السوري، إذ العكس هو الصحيح، بل لأن هذا المفهوم بالذات يمكن أن يقدم برهانًا لا يردّ على إمكانات الأدب الروائي غير المحدودة لا في الزمان ولا في المكان في مقاربة وقراءة وفهم أوضاع واقعية وملموسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق