مقالات الرأي

الأيقونة والمعنى: الحسين الشهيد

أثبت الربيع العربي أن النخبة الثقافية هي أكثر تخلفًا من الشعوب في فهم عمارة المجتمعات، وكانت الشعوب أقدر على الخيارات السليمة لولا تدخلات متنطعي السياسة ومتوهمي البعد القيادي في أنفسهم، الذين لم يُدركوا -إلى اليوم- أنهم مفرزات أنظمة استبدادية فاسدة، على الرغم من الكلمات الرنانة التي تحتشد في مقولاتهم وآرائهم؛ لذلك تتناسل الهيئات والتحالفات والمجالس منذ سنوات خمس، ولا تُقدّم أي شيء ذي شأن، فقط ذلك المواطن البسيط البائس الذي فضّل الموت على قبول الذل يُرعب الطاغية ومؤيديه ومعارضيه.

قبل أيام معدودات من مقتله، لم يكن أحد يتوقع أن تهتزَّ سلطة تشاوتيشسكو خلال مدة قريبة، وقبل ما يقارب العقد، وعندما تعرض الدكتاتور السابق بينوشيه إلى ملاحقات قضائية في بريطانية، إثر تنحيه مكرهًا، ظهر جليًا أن أيّ مستبد سيتمسك بمقعده إلى الموت، فحجم ما ارتكب من الجرائم سيلاحقه، وسرعان ما سيقع في براثن من اضطهدهم، وهذا ما سيجعل من الطغاة التاليين متمسكين إلى اللحظة الأخيرة بكرسي السلطة، ولذلك وجد بوريس يلتسين في خلفه بوتن ميزة أساسية هي حمايته من المساءلة، ونفذ بوتن وعده، ربما لأن العمر لم يطل بيلتسن، واخترع بوتن لعبة ديمقراطية تُبقي السلطة بيده ردحًا طويلًا، واليوم يتلمس البغاة رقابهم وهم يُدركون أنهم استغرقوا في وحل جرائمهم بما لا يتيح لهم الهروب منها، فعندما فر شاه إيران احتار في أمم الأرض فكل بلاد يطؤها تمتعض منه وتلفظه، إلى أن جاد عليه السادات بقبر متواضع.

أطاح الربيع العربي خلال عام واحد بأربعة من عتاة الطغاة، وثمة من هو على الطريق وإن طال الزمن وارتفعت التكلفة، وفي إيران شلة من المجرمين بلبوس ديني متبتّل، يبطشون دون رادع، خشية اهتزاز هيمنتهم، وتعرضهم للمحاسبة، وفي تونس رفع الثائرون صور تشي غيفارا؛ ربما لأنهم لم يجدوا رمزًا محليًا يُعبّر عن طموحهم، ولا رمزًا من صلب ثقافتهم يتمثلونه في مواجهتهم للجنرال الفاسد، وفي كل حركة الاحتجاج التي اجتاحت جمهوريات الخوف لم يجد الثائرون سوى صور زملائهم الذين سقطوا برصاص الأجهزة القمعية للحاكم العربي.

إلا أن اللافت في هذا المشهد الاحتجاجي أنه في بداياته، لم يرفع سوى الشعارات الإنسانية، مع محاولة بعض الإيديولوجيات اختراقه ثم تصدّره، إلا أنها فشلت، لأن المشهد الاحتجاجي على الرغم ممن يود تجييره لصالح ايديولوجيات معينة، بقي مشهدًا إنسانيًا غايته الإنسان، بغض النظر عن ملّته أو أرومته. وطوال فترة المظاهرات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، لم يرفع المتظاهرون صورة بطل عربي أو مسلم يقتدون ويتأسون به، رفع بعض التونسيين صورة تشي جيفارا، فكان السؤال: لماذا لا يستطيعون رفع صورة رجل دين واحد له مآثر في وجه السلطة مع أنهم مسلمون، وجزء كبير من الاضطهاد الذي مُورس عليهم نال عقيدتهم وحريتهم الدينية؟ لا شك في أن هناك رجال دين كان لهم أثر في مقاومة المستعمر والاحتلال، لكن خارج حرب الهوية كانوا دومًا من أدوات الاستبداد.

منذ بداية الأحداث دعا رجل الدين -كعادته- الناس إلى نبذ “الفتنة”، وطاعة الحاكم وإن فسد وفسق بشرط ألا يكفر (وذهب بعضهم إلى عدم الخروج وإن كفر، لأن الحرمة تتعلق بما يترتب على ذلك من سفك للدماء)، داعيًا الأمة إلى الصبر على جوعها وبؤسها، والمصابرة إلى ان تنقضي المؤامرة الكونية، وبعض من صمت كان ككتلة فجيعة، شيطانًا أخرس، أو يلمح إلى أنها من حبائل الشيطان، ونوازع الفتنة. وينشغل بوسائل تتيح له إدانة ما فعله شباب مرحلة (البوعزيزي وخالد سعيد وغياث مطر) دون أن يستثير الجماهير.

تحول الإسلام عبر تحولين إلى دين للخاصة، بعد أن جاء محتفيًا بالعامة، الصراع على السلطة الذي بدأ بشكل أخف وجَسَد الرسول (ص) لازال دافئًا، وتصاعد مع نهاية عهد عثمان، أغرق الإسلام في السياسة وحوله إلى أداة سياسية بعد أن كان جنة اجتماعية مأمولة، والتحول الثاني جاء مع النزعة القريشية التي تلبّست الإسلام وجعلته أداة لمفاهيم مستبدة تحت تسميات الحاكمية والأصالة وعصمة آل البيت وسياسة الرعية ولجم العوام، وتمت إعادة إنتاج الإسلام في إطار من الاحتفاء بقيم غير إنسانية، ومن أجل ذلك تم اعتقال المعنى عبر تفسير مهيمن حل محل النص، وتمت مصادرة السلطة عبر فقه سلطاني، لا يني يرفع سيف التكفير في وجه من يعارضه.

باتت الطبقة الدينية التي تشكّلت وتمأسست وتمكّنت وطغت، من أكثر أشكال الدعم للبؤس الاجتماعي، فازدراء الحياة الدنيا والدعوة إلى الصبر والجلد وتعوّد شظف العيش وكسر قوس العدالة خشية الفتنة، أمور لا تغيب عن خطاب الفقيه، وهي نوع من التحالف مع الاستبداد السياسي، والإصرار على أن تكون الشعوب مجموعة من الدهماء الذين يأتمرون بأمر السياسي والديني.

كانت هناك فرصة حقيقية لخلق رمز تاريخي للوقوف في وجه الطغيان في (الحسين) حفيد الرسول (ص)، لكن هذا الرمز المُحتمل دخل في حمأة اختلافات أيديولوجية، سياسية الجذور، أثرت على البنية العقدية لأهم طائفتين إسلاميتين، قتل هذا الرمز بأيديهما، فالسلطة السنّية تخلت عن البعد الرمزي الهائل لآل البيت في خطوة رعناء، والمعارضة الشيعية حولتهم إلى أيقونة مواجهة وانتقام، وأسبغت عليهم قداسة أحرجت بشريتهم العظيمة وصلت درجة العصمة.

كان الفيلسوف الوجودي الألماني “كارل ياسبرز”، يقول إن المسلمين أكثر احترامًا وتعظيمًا للمسيح، لأنهم يقرؤون سيرته من منظور بشري، فيكتسب يسوع المسيح قيمة عليا لما كان عليه من سمو، بينما المسيحيون إذ ألّهوه، حوله إلى إله عاجز، كل صفاته المحمودة لا تصمد أمام كونه إلهًا مهزومًا، لا يشك عاقل في أن الحسين قُتل مظلومًا، وقُتل في مواجهة الطغيان، وليس من أجل اختلاف عقدي، وإن شابت معارضته شيء من السعي نحو السلطة وأحقيتها، وهو نجل علي بن أبي طالب الذي لم يرفع سيفه من أجل الاستئثار بالسلطة يوم تقلدها غيره، إنما رفع السيف في وجه مغتصب السلطة دون وجه حق، ثم انكفأ حقنُا للدماء.

من المؤسف أن تنصرف المراجع والمصادر إلى فضائل معاوية أكثر من انصرافها إلى فضائل علي، ربما يكون معاوية أقرب للخطاطة التاريخية المتصاعدة نحو المدنية بدلًا من العصبية، إلا أن ذلك لا يمنع من الإقرار بأنه “استولى” على السلطة.

مؤسف أيضًا تشويه “الرمز الحسيني” إلى أيقونة انتقام بدلًا من التركيز على قيمته النضالية ضد الطغيان، ليكون نبراسًا للشعوب ضد الطغاة، بدلًا من يكون رمزًا مذهبيًا للانتقام من المذهب الآخر، مثلما يبدو لي الاستغراق الشديد في شخص الحسين حاجزًا عصيًا أمام جعله أمثولة وقدوة، فاليوتوبيا التي تنسج حوله تصل إلى درجة رفعه إلى مستوى فوق بشري، بمعنى صعوبة أن يتمثله البشر. تاريخ المسلمين غارق في الاستبداد، والسلطة السنّية والمعارضة الشيعية كلاهما غفل عن البعد الرمزي الكبير الذي كان من الممكن أن يمثله الحسين، كصرخة رافضـة للطاغوت بأشكاله، وكنقطة التقاء على أهمية العدل، فشخصية بهذا الوزن وهذه الرمزية لن يكون شأنها هامشيًا في قيادة الشعوب لقول كلمة حق في وجه سلطان جائر، ولا بد من إعادة قراءة سيرة الحسين ومأساة كربلاء بمنظور آخر غير المنظور المذهبي، فكل مسلم هو حسيني الهوية والهوى، ومن لم يكن قد تأول جهاد الحسين على وجهه، إنما يخرج من الجذر الحقيقي للإسلام لغة واصطلاحًا وممارسة.

ربما كان اسم الحسين ليتصدر كل ثورات الربيع العربي، ويجمع بين الشعوب في مواجهة النظم الفاسدة وأعوانها، لو لم يتحول إلى إيقونة خلاف مذهبي: “ابتعد عنه أهل السنّة”، كأنما يتبرؤون من الشيعة، وأفرط فيه الشيعة واتخذوه رمزًا في وجه الأغلبية السنّية.

إن القيمة “الرمزية للحسين” تكمن في مواجهة الطغاة في كل زمان، وليس صب اللعنات على قاتليه إلى يوم الدين، حري بالحسين أن يجمع الفئتين، لا أن يكون مقتله إلى اليوم مادة للصراع والعنف والدمار والقتل والحقد الذي تصدره كل فئة تجاه أخرى، وكان حري به أن يُعلّم المسلمين أن رفض الطغيان والطاغوت جزء لا يتجزأ من هوية المسلم، وأن قيمة الإنسان فيما يحسنه من جهد لمواجهة الطغيان، لا في تحوير هذه المواجهة وشحنها بلحظة تاريخية مؤسفة وحزينة. حري بالحسين أن يشعل في أرجاء العالم الإسلامي شعلة حرية وكرامة، بدلاً من مواكب الحزن، حري بالعاشر من محرم أو أربعينية الحسين أن تكون منطلقًا لمواكب الغضب تجاه قصور المستبدين بدلًا من أن تكون حجّا إلى جسد متفسخ، فالحسين قيمته في قِيَمه لا في جسده الذي تبدد، وعبق الحسين يتمثل في مبادئه وما يمثله من رمزية، لا في التربة التي امتصت جسده.

بائس كل من يتخذ الحسين مادة للثأر، بائس كل من يعتدي على موكب جليل يتمثل فعلًا قيم الحسين في الثورة على الظلم والاستبداد، الحسين قُتل بيد غاشمة ظالمة، قُتل لأنه لم يرتض بؤس الاستبداد، لم يُقتَل بسبب مذهب مخالف أو دين مغاير، ولم يكن لمقتله أي وجه من وجوه الاختلاف الفقهي، قتل أعزلًا قويًا بما ينادي به من الحق، لم يجنب أحب أحبائه مغبة الوقوف في وجه السلطة ليكون نبراسًا لكرامة الإنسان، ومضرب مثل للتضحية الخالدة.

سلام على الحسين المظلوم بين فئتين، فئة أهملته وتجاهلته، وفئة حرفت مقاصد تضحيته. الحسين لو لم يقرأ على محامل مذهبية لشكل قيمة رمزية وتاريخية لكل بائس ومظلوم في كل صقع وثقافة، فما أحرانا أن نعيد قراءة الحدث الكربلائي باهتمام ودقة وبعيدًا عن التصورات المسبقة.. لندرك أي حسينًا قد خسرناه باختلاف مذاهبنا وطوائفنا، وما أحرى بهذه المناسبة أن تكون منطلقًا للمواكب التي تتجه إلى قصور السلطة لإسقاط الظلم والظلمات، وما أحرانا بإطلاق أسر الحسين لئلا يبقى رهين رجل دين يتزعم ميليشيات مجرمة، أو يتسلّم دولة مارقة، باسمه يورط الشعوب في قتل الشعوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق